بين خطاب الخارج وصراخ الداخل؛ كوردستان والضياع السياسي.
جوتيار تمر
2026 / 1 / 17 - 18:48
كوردستان / 17-1-2026
حين نقول إن أربيل تتحدث باسم الخارج، والسليمانية تصرخ باسم الداخل، وكوردستان تضيع بين الصوتين، فإننا لا نطلق توصيفا نظريا مجردا، بل نقرأ واقعا سياسيا يتجسد بوضوح في المشهد الآني للقاءات الجارية اليوم كمثال؛ ففي أربيل، جاء لقاء المبعوث الامريكي مع مظلوم عبدي ونيجرفان بارزاني ليؤكد مجددا موقع المدينة كمنصة تمثيل خارجي، تتقاطع فيها المصالح الدولية مع القيادات الكوردية ذات الثقل العسكري والسياسي، ضمن خطاب موجه إلى الخارج قبل الداخل؛ وفي المقابل، شهدت السليمانية لقاءات من طبيعة مختلفة جمعت بافل طالباني وشاسوار عبد الواحد، حملت طابعا داخليا تنافسيا يعكس استمرار الصراع على النفوذ داخل البيت الكوردي؛ هذان المشهدان المتزامنان لا يعكسان اختلافا في الاسلوب فقط، بل يكشفان عن انقسام وظيفي في السياسة الكوردستانية، حيث بات الخارج يدار من أربيل، والداخل يتحرك من السليمانية، فيما تغيب كوردستان كقضية جامعة بين المسارين.
أربيل، بوصفها عاصمة الإقليم ومركز القرار الرسمي، باتت تمثل الواجهة المقبولة دوليا لكوردستان؛ خطابها السياسي موجه إلى الخارج، لغته الاستقرار والشراكة ومحاربة الفوضى، وهو خطاب ينسجم مع اولويات القوى الكبرى التي تبحث عن شريك امني وسياسي منضبط اكثر من بحثها عن نموذج ديمقراطي مكتمل، غير أن هذا الدور، على اهميته، تحول تدريجيا إلى وظيفة قائمة بذاتها، فانفصلت السياسة الخارجية عن السياق الاجتماعي الداخلي، واصبحت الشرعية الدولية بديلا عن الشرعية الشعبية لا امتدادا لها، وهنا تكمن المشكلة، لأن الخارج لا يمنح اعترافا دائما بل يربطه بالمصلحة، فيما يبقى الداخل هو المصدر الحقيقي للاستقرار حين يشعر بالتمثيل والعدالة.
في المقابل، تمثل السليمانية مساحة الصراخ الداخلي، حيث تتكثف مشاعر السخط والاحتجاج على الفساد والتهميش وسوء الادارة، وقطع الرواتب، والضرائب، غير أن هذا الصراخ، رغم مشروعيته، يعاني من تشوه بنيوي خطير، يتمثل في بروز ظاهرة مراهقي السياسة؛ هؤلاء لا ينشغلون بصياغة حلول او تقديم برامج بديلة، بل يركزون جل اهتمامهم على اخطاء الاخرين، ويختزلون العمل السياسي في التشهير والادانة، يعتمدون على منصاتهم الاعلامية وعلى اموالهم لتحريك الشارع، لا لبناء وعي سياسي ناضج، بل لتغذية ردود الفعل والانفعالات اللحظية؛ وهكذا يصبح جوهر الاشكالية لديهم هو الحزب المنافس لا القضية الكوردية، والمعركة الحزبية لا الحلول البنيوية، ويتحول الاحتجاج إلى اداة لتصفية الحسابات بدل ان يكون فعلا وطنيا اصلاحيا، فضلا عن ممارسة الضغط على المنافس لتقسيم سيادي اكثر قبولا.
بين هذا الحديث باسم الخارج، وذلك الصراخ المشوش باسم الداخل، تضيع كوردستان بوصفها مشروعا سياسيا؛ فلا اربيل استطاعت ان تترجم حضورها الدولي إلى عقد اجتماعي يعيد الثقة بين السلطة والمجتمع، ولا السليمانية نجحت في تحويل الغضب الشعبي إلى رؤية سياسية تتجاوز الانفعال وتقدم حلولا واقعية قابلة للتنفيذ؛ وبهذا ينظر الخارج إلى كوردستان كملف امني قابل للإدارة، بينما يعيشها الداخل كازمة يومية مفتوحة، دون ان تتشكل رواية وطنية مشتركة تجمع البعدين في مسار واحد.
الاشكالية في جوهرها ليست تعدد الاصوات، بل غياب الجسر بينها؛ السياسة تحولت إلى وظائف منفصلة، مدينة تتقن لغة الخارج، واخرى تجيد الصراخ باسم الداخل، فيما غابت الدولة كمفهوم جامع يتجاوز الاحزاب والمدن؛ الاخطر من ذلك ان الجغرافيا بدأت تحل محل البرنامج السياسي، فتحولت المدن إلى هويات، والانقسام السياسي إلى انقسام نفسي واجتماعي يهدد النسيج الكوردي نفسه.
ما تحتاجه كوردستان اليوم ليس تغليب صوت على اخر، بل اعادة وصل الداخل بالخارج ضمن مشروع وطني واحد؛ ان تتحول اربيل من ناطق باسم الخارج إلى وسيط حقيقي ينقل مطالب المجتمع إلى طاولة العلاقات الدولية، وان تتحول السليمانية من ساحة صراخ إلى فضاء عقل سياسي ناضج، يتجاوز مراهقة السياسة ويقدم البديل لا الشتيمة، والحلول لا تصفية الحسابات؛ عندها فقط يمكن ان تستعاد كوردستان من حالة الضياع بين الصوتين، بوصفها كيانا سياسيا يمتلك معنى داخليا وقدرة خارجية في آن واحد.