وداعًا مراد وهبة فيلسوف التنوير والعقلانية
فهد المضحكي
2026 / 1 / 17 - 16:12
فقدت الأوساط الثقافية والفكرية في مصر والعالم العربي، فيلسوف التنوير والعقلانية د. مراد وهبه، الذي رحل بعد أن ناهز المائة عام.
وُلد مراد وهبه عام 1926 في مدينة القويصة بمحافظة أسيوط في صعيد مصر، ودرس الفلسفة في جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليًا)، ثم حصل على درجة الدكتوراه من جامعة الإسكندرية عام 1959. وتدرج في المناصب الأكاديمية بجامعة عين شمس حتى ترأس قسم الفلسفة لسنوات، كما عمل أستاذًا زائرًا في عدد من الجامعات الدولية من بينها جامعات موسكو وهارفرد.
يذكر المجلس الأعلى للثقافة المصري، أنه المؤسس ورئيس الجمعية الدولية لابن رشد والتنوير عام 1994، واسمه مذكور في موسوعة الشخصيات العالمية، حيث يعتبر من بين 500 شخصية الأكثر شهرة في العالم. وهو عضو في عدة منظمات دولية منها الأكاديمية الإنسانية والاتحاد الدولي للجمعيات الفلسفية إضافة إلى المجلس الأعلى للثقافة المصري.
يُعرف عن الراحل المفكر وهبة دعوته لضرورة إحياء فلسفة ابن رشد بوصفها «أداة لجسر الهوة بين الغرب والمجتمع الإسلامي بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر ونجاح ابن رشد في البيئة الأوروبية من خلال فلسفة (الرشدية اللاتينية) التي أسهمت في تأسيس العقلانية الأوروبية، وما تولد عنها من إصلاح ديني في القرن السادس عشر، وتنوير في القرن الثامن عشر حيث وظفت بشكل واسع آراء ابن رشد الداعية إلى أعمال العقل في فهم النص وفي الحوار الإيجابي بين الناس، وإن هذه الروح هي ما يجب أن يسود حوار الغرب والشرق؛ لأنها أساس السلام في أي منطقة من مناطق العالم».
نعى الدكتور أحمد فؤاد هنو وزير الثقافة المصري المفكر والفيلسوف الكبير الدكتور مراد وهبه الذي رحل بعد مسيرة فكرية وفلسفية ثرية ترك خلالها أثرًا عميقًا في مسار الفكر العربي المعاصر.
وذكر وزير الثقافة أن الراحل يُعد أحد أبرز رموز التنوير في مصر والعالم العربي، مشيرًا إلى إسهاماته الواسعة عبر مشروعه الفكري ومؤلفاته ومحاضراته التي رسّخت لمنهج التفكير العلمي، وعززت ثقافة الحوار والانفتاح، بم أسهم في إثراء الساحة الفكرية على مدار عقود طويلة.
يقول الكاتب الصحفي ماهر حسن مدير تحرير صحيفة المصري اليوم: «قبل أيام من وفاته عكفنا على ملف خاص للاحتفال بمئوية الكاتب والفيلسوف الكبير مراد وهبه، ولم نكن ندري أن القدر سيكتب كلمته كي تكون حروفنا حروف وداع. وافته المنية في مطلع عام 2026 مع دخوله العام المائة. في هذا الملف الخاص الذي نقدمه وفاء لحق هذا التنويري رافض الأفكار الظلامية».
مراد وهبه لم يكن فقط حاملًا لواء التجديد بل كان داعيًا للنهضة، وصوته الحاضر كان مشروعًا ارتبط دومًا بفكرة إحياء العقل النقدي بوصفه باب التقدم ونافذته الوحيدة أيضًا.
وبحسب ما أشار إليه هذا الملف: في «رباعية الديمقراطية» قدم وهبه رؤيته للمفاهيم المرتبطة بها كنظام سياسي ومكوناتها مع مركزية العلمانية في بنائها، واشتبك في «ملاك الحقيقة المطلقة» مع مفهوم الحق المطلق وتأثيره في المجال الفكري، وفي الفلسفة كان معجمه تبسيطًا لتقريب المصطلحات وتحديد المفاهيم، فمعركة التنوير - في رأيه - شرطها الرئيسي هو دقة المصطلح قبل صخب المناظرات وتنافس الأفكار.
في ذروة المد الأصولي في مصر في تسعينيات القرن الماضي، وسيطرة تيارات الإسلام السياسي سيطرة شبه تامة على بعض مؤسسات التعليم والنقابات والمحليات ومنظمات العمل الأهلي، فضلًا عن هيمنتهم باسم الدين على قطاعاتٍ واسعة وشرائح عديدة من الطبقات الاجتماعية المصرية، وخاصة الشرائح الدنيا والوسطى والطبقات الفقيرة حيث علا صوت التكفير والأسْلمة على نحو، يتنافى وطبيعته التاريخية المتسامحة المسالمة، وسماته الثقافية الموروثة وما يخص عليه الإسلام من نبذ للتعصب وانفتاح على الآخر وقبول التعدد والتنوع. ومع شيوع تلك النعرة كان هناك عدد من المفكرين الذين واجهوا هذه التيارات للإسلام السياسي المتصاعد ودفعوا حياتهم ثمنًا لهذا أو كادوا يتعرضون لهذا ومن هؤلاء المفكر فرج فودة الذي اغتيل في عام 1992، والروائي نجيب محفوظ الذي تعرض لمحاولة اغتيال، غير الحكم بالتفريق بين المفكر نصر حامد أبوزيد وزوجته على خلفية أبحاثه وكتاباته الناقدة لجوانب من الفكر الديني والخطابات الدينية المنتجة للتفسيرات المتشددة وفي مواجهة هذه التيارات كان الدكتور فؤاد زكريا صاحب الكتابين المرجعيين «الصحوة الإسلامية في ميزان العقل»، و«الحقيقة والوهم في الحركة الإسلامية المعاصرة».
والثاني الدكتور مراد وهبه الذي يتمتع بمكانة فكرية بارزة في الأوساط المصرية والعربية وكان للراحل وهبة مقال ثابت في الملحق الثقافي الذي تصدره صحيفة المصري اليوم يتناول فيه الأصولية والعقلانية حول العالم ويعيد فلسفيًا فرز المفاهيم الإسلامية على نحو منهجي وعقلاني وعمد إلى تأصيل المفاهيم الفكرية والفلسفية المواجهة لمفاهيم الإسلامويين، فضلًا عن قراءة وتأويل خطابات الفلسفة الإسلامية التي أتخذت من «العقل» ركيزة أساسية وفق منهج الفيلسوف الفقيه ابن رشد القرطبي، الذي اعتمد إعلاء قيمة العقل كمرجع أساسي، فجرى وصمه بالكفر والمروق من الدين والزندقة، وأحرقت كتبه في قرطبة، وتم نفيه غير أن أعماله وأفكاره كانت أشبه بالكنز الدفين الذي اكتشفته في دول أوروبا فاستثمرت فكره في إحداث نقلة نوعية تنويرية تحررت بها من سلطة الكنيسة فيما عرف بحركة الإصلاح الديني في أوروبا التي مثلت نقلة حداثية لأوروبا من القرون الوسطى إلى القرون الحديثة. وقد مثلت مؤلفات وأفكار مراد وهبة بعثًا للأفكار التنويرية الفلسفية والعقلانية ومن ثم اتفق كثيرون على وصفه «ابن رشد» العصر الحديث ويتأكد لمن يقرأ مقالاته ومؤلفاته هذا المعنى حيث توجه بها لعموم القراء وليس لفئة نخبوية ومنها على سبيل المثال كتب «ما التنوير؟» و«جرثومة التخلف» و«ملاك الحقيقة المطلقة».
ومن مؤلفاته المذهب في فلسفة برجسون، وقصة الفلسفة والمذهب عند كانط، ترجمة للكتاب الفرنسي Systeme de Kant، ويوسف مراد والمذهب التكاملي ومحاورات فلسفية في موسكو، ومقالات فلسفية وسياسية، ومدخل إلى التنوير، والأصولية والعلمانية، فلسفة الإبداع، والأصولية وإرهابها، وغيرها.
مراد وهبة، كما جاء في حديث ابنته منى وهبة، المنشور في الصحيفة السالفة الذكر: المفكر الكبير والعقل الاستثنائي ومعلم الأجيال وصاحب رسالة، مجرد من أي اهتمامات مادية طوال حياته، ذو القلب الطيب الحنون الممتلئ دائمًا بالسلام رغم التحديات التي حيكت له طوال حياته. مراد وهبة الأب والصديق لزوجته وأبنائه وأحفاده، الأب المحب والمضحي، وعطاؤه بلا حدود، وهو ينبوع محبة، تعلمت منه التواضع والحكمة والهدوء في التفكير واتخاذ القرارات واحترام الآخر حتى في الاختلاف. مراد وهبة شخصية فريدة من نوعها، وعنده ثراء في الفكر والآراء والمعلومات، موسوعه أدبية وعلمية. تعلمنا منه الكثير في فن الحوار الهادئ ومواجهة أي مشكلة بهدوء وتفكير للوصول للحل.
في لقاءٍ مع مجلة «الفيصل» الثقافية، تحدث عن كتابه «جرثومة التخلف» نستخلص منه، أن المثقف يكتفي فقط بإدانة الإرهاب، ويمتنع عن إزالة الإرهاب، كيف يمتنع؟، يقول، هنا تكمن الخيانة. فهو يريد أن يبعدك من التفكير في ظاهرة الإرهاب، ويجرف عقلك في قضايا أخرى لا علاقة لها بالإرهاب مثل الفقر والجهل وغيرهما، ومن وجهة نظره، هنا الخديعة والخيانة، لأن هذه الأمراض موجودة قبل الإرهاب وبعده. ولها حلول أخرى لا علاقة لها بالإرهاب، فالمثقف يقول دائمًا: إنه يوجد إرهاب. لكن ما سببه؟ سببه الفقر هذه خديعة. لأن «بن لادن» و«الظواهري» وأغلب قيادات الإخوان مليونيرات ومليارديرات. فعلى المثقف ألا يكون خائنًا، وأن يعمل على تأسيس تيار فكري مناهض لتيار الأصولية الدينية.
وتحدث أيضًا، عن الشرق الأوسط المحكوم، برأيه، بأصوليات ثلاث، هي الإسلام والمسيحية واليهودية، هي أصوليات ثلاث حاكمة المنطقة، وأصحاب هذه الأصوليات أهل حرب؛ لأنهم يمتلكون الحقيقة المطلقة، ولكي ننهي هذه الحروب، نتخلص من الأصوليات الثلاث، ونحلّ الصراع العربي الإسرائيلي.
وردًا على سؤال هل نحن شعوب تؤمن بعبادة الأسلاف أم لدينا فوبيا من الحداثة؟ اختصر الأجابة بعبارة تقول: نحن محكومون بالموتى وليس بالأحياء أي أننا محكومون بالتراث، فأي فكرة جديدة ناقشها مع التراث، فإن اختلفت ألغِيها. ومن ثم فالحداثة لدينا مرفوضة، ومن ثم الغرب مرفوض، ورفض الغرب يعني العودة إلى الأجداد، أي العودة إلى التراث.