ركود العمل اللائق عالمياً: قراءة نقابية في تقرير “العمالة والآفاق الاجتماعية لعام 2026”


جهاد عقل
2026 / 1 / 17 - 11:58     

مقدمة
في تقرير “العمالة والآفاق الاجتماعية لعام 2026”، تصوّر منظمة العمل الدولية معالم عالم العمل الحالي، وتقدّم قراءة دقيقة لما يواجهه ملايين العمال في مختلف أنحاء العالم. وعلى الرغم من استقرار معدلات البطالة عند 4.9٪، ما يعادل نحو 186 مليون عاطل عن العمل، فإن هذا الرقم لا يكشف عن الصورة الحقيقية للأزمات البنيوية التي تعصف بأسواق العمل.
"أثبت الاقتصاد العالمي وأسواق العمل العالمية قدرتهما على الصمود بدرجة أكبر مما كان متوقعاً في بداية العام الماضي. وعلى الرغم من أن عام 2025 اتسم بمستويات عالية من عدم اليقين الاقتصادي، فإن آثار ذلك لم تتجسد بعد بشكل كامل في سوق العمل. غير أنه، وكما يبيّن تقرير اتجاهات التشغيل والآفاق الاجتماعية 2026، فقد تحقق تقدم محدود فقط في تقليص العجز الواسع في العمل اللائق. ولا يزال عدم اليقين في السياسات الاقتصادية والتجارية يعرقل الاستثمار والتجارة، ما يحدّ من نمو الإنتاجية ومن خلق وظائف ذات جودة. وفي الوقت نفسه، لم تتحقق بعد المنافع المتوقعة من التقنيات الجديدة، مثل الذكاء الاصطناعي، في أرقام الإنتاجية الكلية.
ورغم أن معدل البطالة العالمي يُتوقع أن يبقى عند مستواه المنخفض تاريخياً البالغ 4.9٪ في عام 2026، فإن نحو 284 مليون عامل ما زالوا يعيشون في فقر مدقع – أي بأقل من 3 دولارات أمريكية في اليوم – كما أن أكثر من ملياري عامل ما زالوا يعملون في الاقتصاد غير المنظم. ومما يبعث على القلق أن عدد العمال الفقراء والعاملين في القطاع غير المنظم آخذ في الازدياد في البلدان منخفضة الدخل، ما يسلّط الضوء على نقص التقدم في الأماكن التي تشتد فيها الحاجة إليه. ولا تزال الفجوات بين الجنسين واسعة الانتشار في عالم العمل، مع تحقيق تقدم محدود في عدد قليل فقط من المجالات، مثل تقليص العمل الأسري غير مدفوع الأجر.
يجب ألا يصرفنا النمو المرن وأرقام البطالة المستقرة عن الواقع الأعمق: مئات الملايين من العمال لا يزالون محاصرين في براثن الفقر، والعمل غير المنظم، والإقصاء.” ذا ما قاله جيلبرت ف. هونجبو، المدير العام لمنظمة العمل الدولية. في مقدته للتقرير الذي جاء في 96 صفحة.
هذا الاقتباس من التقرير يلخّص ما نراه نحن كمنظمات نقابية: الأرقام السطحية معبّرة، لكنها لا تعكس جودة الوظائف ولا الأمن الوظيفي ولا العدالة الاجتماعية.

* العمل غير المنظم والوظائف الضعيفة: أزمة تتجاوز البطالة
"ارتفع معدل العمل غير المنظم عالمياً بمقدار 0.3 نقطة مئوية بين عامي 2015 و2025، بعد أن كان قد تراجع في العقد السابق. وبحلول عام 2026، يُتوقع أن يبلغ عدد العاملين في الاقتصاد غير المنظم 2.1 مليار عامل حول العالم. ويرتبط العمل غير المنظم عادةً بتدني جودة الوظائف، نتيجة محدودية الوصول إلى الحماية الاجتماعية وحقوق العمل والسلامة المهنية والأمان الوظيفي. ويعكس هذا الارتفاع بشكل أساسي زيادة حصة التشغيل في البلدان ذات المعدلات المرتفعة من العمل غير المنظم، ولا سيما في إفريقيا وجنوب آسيا، ما يجعل الجهود الرامية إلى الحد من العمل غير المنظم في هذه الاقتصادات أمراً بالغ الأهمية”.هذا ما جا في الملخص التنفيذي للتقرير،لكن رغم أن معدلات البطالة قد تبدو مستقرة، إلا أن البيانات تكشف واقعاً مختلفاً:
يعيش ما يقارب 300 مليون عامل في فقر مدقع، أي بأقل من 3 دولارات في اليوم. وكما جاء أعلاه
يُتوقع أن يشغل 2.1 مليار عامل وظائف غير منظمة بحلول 2026. خاصة وأن العمل غير المنظم لا يوفر حماية اجتماعية أو حقوقاً أساسية.
“الملايين من العمال حول العالم لا يزالون يفتقرون إلى فرص الوصول إلى وظائف ذات جودة عالية.”
من منظورنا النقابي، لا يمكن اعتبار العمل “قيّماً” إلا إذا حقّق أجوراً عادلة، حماية اجتماعية، استقراراً وظيفياً، وحق التنظيم النقابي—وهو ما يغيب عن جزء كبير من القوى العاملة العالمية.

* الشباب: بناء المستقبل أم الهامشية؟
" لا تزال أوضاع سوق العمل للشباب مقلقة، ولا سيما في البلدان منخفضة الدخل. ففي عام 2025، ارتفع معدل بطالة الشباب عالمياً إلى 12.4٪ مقارنة بـ 12.3٪ في عام 2024، بينما ارتفعت نسبة الشباب خارج العمل أو التعليم أو التدريب إلى 20.0٪. ويُعد ذلك مقلقاً، إذ حُرم 257 مليون شاب من فرص اكتساب التعليم والمهارات والخبرة اللازمة لتحسين آفاقهم المستقبلية في سوق العمل. وتكون الأوضاع أشد سوءاً في البلدان منخفضة الدخل، حيث تزيد معدلات NEET بنحو 17 نقطة مئوية عن البلدان مرتفعة الدخل.
ورغم أن التعليم العالي يَعِد بإمكانية الحصول على وظائف أفضل، فإنه لا يؤدي دائماً إلى انخفاض بطالة الشباب. فالشباب الحاصلون على شهادات متقدمة في البلدان مرتفعة الدخل يسجلون معدلات بطالة أقل من نظرائهم الأقل تعليماً، غير أن هذا النمط لا ينطبق بالضرورة على البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل”.كما جاء في الملخص التنفيذي للتقرير.
هذا يؤكد لنا ان شبكة العلاقات الاقتصادية المتغيرة، ومعها التحولات التكنولوجية، لم تخلق حتى الآن مسارات واضحة للشباب: وكما جاء أعلاه فقد بلغت بطالة الشباب 12.4٪ في 2025 ما يعني أنه
يوجد حوالي 260 مليون شاب خارج التعليم والعمالة والتدريب، لكن في البلدان منخفضة الدخل، تُقدّر هذه النسبة بـ 27.9٪.
“في حين أن التأثير الكامل للذكاء الاصطناعي على عمالة الشباب لا يزال غير مؤكد، فإن حجمه المحتمل يستدعي مراقبة دقيقة.”
منظورنا النقابي يُشدّد على أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يخدم العمال، لا أن يستبعدهم؛ أي من خلال برامج تدريب مؤسسية، حماية من فقدان الوظائف، وتأمين آليات انتقال عادلة نحو مهن جديدة.

* النساء في سوق العمل: حواجز لا تزال راسخة
يعكس التقرير استمرار التمييز البنيوي ضد النساء في العمل:النساء يشكلن حوالي 40٪ فقط من القوى العاملة العالمية، لكن فرص مشاركتهن في القوى العاملة أقل بنسبة 24٪ من الرجال.
الأمر المقلق أن التقدم نحو المساواة بين الجنسين قد تباطأ أو توقف. كما جاء في التقرير:“لقد توقفت المكاسب المحققة في مشاركة الإناث في القوى العاملة، مما أدى إلى تباطؤ التقدم نحو المساواة بين الجنسين في العمل.”
إننا نرى في هذا تحذيراً واضحاً: لا يكفي رفع شعار المساواة بل يجب تفكيك السياسات والممارسات التي تعيق مشاركة النساء — من رعاية أطفال مناسبة إلى إنهاء الفجوات في الأجور والحماية.

* التغيرات الديموغرافية والتحديات الهيكلية
يُظهر التقرير كيف أنّ شيخوخة السكان أبطأت نمو القوى العاملة في البلدان الغنية، بينما تواجه الدول الأقل دخلاً صعوبة في تحويل النمو السكاني السريع إلى وظائف منتجة ومستدامة.
منظورنا النقابييدعو الى : تحويل النمو السكاني إلى وظائف جيدة يتطلب استثمارات في البنية التحتية، التعليم، والرعاية الصحية، لا يمكن أن تكون السياسات الاقتصادية محايدة، يجب أن تضع العمال في قلبها.

* التجارة العالمية: فرصة أم تهديد؟
التقرير يشير إلى أن التجارة لا تزال دعامة أساسية للوظائف، لكنها في الوقت نفسه سبب ضغط على الأجور: تدعم التجارة حوالي 465 مليون وظيفة عالمياً، نصفها في آسيا والمحيط الهادئ.
الخدمات الرقمية تمثل 14.5٪ من الصادرات العالمية، ونصف الوظائف المتعلقة بالتجارة في خدمات السوق. “التجارة يمكن أن تكون محركاً قوياً للعمل اللائق، لا سيما في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل.”لكن لتحقيق ذلك، نحن نرى أن اتفاقيات التجارة الحرة يجب أن ترتبط بحماية العمل اللائق، ولا يجب أن تكون منصة لتجاوز الحقوق أو استيراد العمالة الرخيصة.

* مطلوب عمل جماعي وعنصري
في ختام التقرير، يُشدّد المدير العام لـمنظمة العمل الدولية على ضرورة التعاون بين الحكومات والعمال وأرباب العمل لمواجهة التحديات: “ما لم تتعاون الحكومات وأرباب العمل والعمال معاً لتسخير التكنولوجيا بشكل مسؤول وتوسيع فرص العمل الجيدة للنساء والشباب… فسوف يستمر العجز في العمل اللائق وسيكون التماسك الاجتماعي معرضاً للخطر.”

برأينا الموقف النقابي يؤكد أن: العمل اللائق ليس رفاهية بل ضرورة اقتصادية واجتماعية.
يجب أن تُعاد قوة التفاوض إلى العمال عبر نقابات قوية، حقوق تنظيم ومفاوضة جماعية، حماية اجتماعية شاملة. السياسات الاقتصادية والتجارية والتكنولوجية يجب أن تُعاد صياغتها بحيث تكون متماشية مع معايير العمل الدولية وحقوق الإنسان.
في ختام الملخص التنفيذي جاء:”الحاجة إلى نمو أسرع ومؤسسات أقوى لمعالجة عجز العمل اللائق
على الرغم من مرونة معدلات البطالة العالمية في ظل حالة عدم اليقين الاقتصادي، لا يزال العالم عاجزًا عن تحقيق تخفيضات جوهرية في عجز العمل اللائق. ومع التحولات الديموغرافية في أسواق العمل العالمية، يُتوقع أن تعود فجوات العمل اللائق إلى الاتساع بعد فترة مطولة من التحسن.
وفي الوقت نفسه، فإن تصاعد اعتماد الذكاء الاصطناعي، وعدم اليقين في السياسات التجارية، وانخفاض الاستثمار الأجنبي المباشر، وركود نمو التجارة، كلها عوامل تجعل تحسين ظروف العمل عبر التوسع في التشغيل في القطاعات المرتبطة بالتجارة أكثر صعوبة.
وفي فترات تباطؤ النمو العالمي وتراجع مستويات المساعدة الإنمائية الرسمية، ستحتاج البلدان بشكل متزايد إلى الاعتماد على السياسات الوطنية ومحركات التحول الاقتصادي لتعزيز العمل اللائق”.

في الختام نؤكد ان تقرير منظمة العمل الدولية لعام 2026 يقدّم بيانات هامة، لكنه أيضاً يشكّل نداء استيقاظ: بأن العمل ليس مجرد وظيفة،والبطالة ليست وحدها المشكلة،و الجودة، الحقوق، المساواة، والحماية الاجتماعية هي الجوهر.
لذلك إننا كحركة نقابية ندعو إلى: سياسات عمل شاملة ومهيكلة تعالج نوعية الوظائف وليس فقط معدلات البطالة،وضرورة وضع ضوابط تنظيمية للتكنولوجيا والتجارة تحمي العمال وتوسع فرصهم.
كما لا بد من وضع استراتيجيات تمكينية للشباب والنساء داخل أسواق العمل،وتعزيز النقابات والتمثيل الجماعي كركيزة للعدالة الاجتماعية.