التصعيد المُدار: مفهوم سياسي لفهم حروب بلا حسم
ليث الجادر
2026 / 1 / 16 - 16:13
لم تعد الصراعات الدولية المعاصرة قابلة للفهم عبر ثنائية النصر والهزيمة التي حكمت التفكير الاستراتيجي الكلاسيكي. فالتصعيد العسكري، في عدد متزايد من الحالات، لم يعد يُستخدم بوصفه وسيلة للوصول إلى الحسم، ولا باعتباره انزلاقاً غير محسوب نحو الحرب الشاملة، بل كأداة سياسية قائمة بذاتها. هذا النمط من السلوك يمكن تحديده وتسميته بوصفه «التصعيد المُدار».
ويُقصد بـ التصعيد المُدار نمطاً من استخدام القوة يُصمَّم منذ البداية ليبقى دون عتبة الحسم ودون عتبة الانهيار في آن واحد. فهو ليس تصعيداً عشوائياً، ولا حرباً ناقصة، بل ممارسة سياسية واعية تقوم على ضبط مستوى العنف، وتحديد أهدافه الزمنية، والامتناع المتعمّد عن استثمار التفوق العسكري حتى نهايته، من أجل إدارة أزمة سياسية أو شرعية قائمة، لا إنهائها.
يمثّل هذا المفهوم قطيعة مع التصورات التي ترى في التصعيد فشلاً دبلوماسياً أو مرحلة انتقالية نحو حرب أوسع. فالتصعيد المُدار لا يُفهم بوصفه مقدمة لشيء آخر، بل بوصفه غاية وظيفية بحد ذاته. إنه أداة لإعادة توزيع الضغوط، وشراء الوقت، وإعادة ترتيب الداخل، سواء لدى أنظمة تعاني من أزمات شرعية، أو لدى قوى كبرى تدرك أن إسقاط هذه الأنظمة أو حسم الصراع معها سيُنتج فوضى تتجاوز قدرتها على الضبط.
ضمن هذا المنطق، يُعاد تعريف القوة العسكرية. لم تعد القوة هي القدرة على التدمير أو الإخضاع، بل القدرة على التحكم في مستوى العنف، وفي توقيته، وفي نطاقه. والنجاح هنا لا يُقاس بمدى التقدم الميداني، بل بمدى الحفاظ على الصراع داخل حدود يمكن إدارتها سياسياً، دون السماح له بالتحول إلى أزمة شاملة أو انفجار غير قابل للاحتواء.
غير أن التصعيد المُدار يظل بطبيعته ممارسة عالية المخاطر. فهو يقوم على توازن هش بين الضبط والفوضى، ويعمل عند حافة الانفلات باستمرار. وطالما بقيت الفوضى دون عتبة معينة، يمكن لهذا النمط أن يؤدي وظيفته. لكن ما إن تتجاوز هذه العتبة – بفعل فاعل أضعف يفرض إيقاعاً غير متوقع، أو نتيجة صدمة غير محسوبة، أو بسبب انفجار داخلي – حتى ينهار منطق التصعيد المُدار، ويتحوّل إلى عامل تسريع للفوضى بدلاً من ضبطها.
وتكمن المفارقة في أن القوى التي تعتمد هذا النمط تفعل ذلك إدراكاً منها لمخاطر الانهيار، لكنها في الوقت ذاته تُراكم شروطه. فالتصعيد المُدار لا يعالج جذور الأزمات، بل يؤجلها، ويعيد تدويرها في صيغ جديدة. ومع كل جولة تصعيد، يضيق هامش التحكم، وتزداد احتمالات الانفلات، حتى وإن بدا المشهد في لحظة ما خاضعاً للسيطرة.
من هذا المنظور، لا يمكن النظر إلى الحالات الراهنة في الشرق الأوسط، وأوروبا الشرقية، وشرق آسيا بوصفها أزمات منفصلة أو استثناءات ظرفية، بل بوصفها تعبيرات متزامنة عن نمط واحد لم يُسمَّ ولم يُؤطَّر بما يكفي في الخطاب السياسي السائد. ففي جميع هذه الساحات، نرى استخداماً للقوة دون استثمارها حتى النهاية، وضبطاً متعمداً لمستوى العنف، وإدارةً للأزمات عند حافة الفوضى، في إطار ما يمكن توصيفه بوضوح بأنه تصعيد مُدار.
وعليه، فإن تسمية هذا النمط ليست مجرد إضافة لغوية، بل محاولة لتثبيت مفهوم سياسي تحليلي ضروري لفهم طبيعة الصراعات المعاصرة. فالسؤال لم يعد متى تنتهي هذه الحروب، بل إلى أي مدى يمكن للنظام الدولي الاستمرار في إدارة أزماته عبر التصعيد المُدار، قبل أن يتحول هذا الأسلوب ذاته إلى المصدر الرئيسي لانهيار منظومة الضبط التي يقوم عليها.