الحرب على إيران: من يمنع السقوط… ومن يتركها تنزف؟
ادم عربي
2026 / 1 / 15 - 16:45
لا تُقاس الحروب الحديثة بعدد الصواريخ وحدها، بل بميزان المصالح الذي يحدد مواقف القوى الكبرى. وإذا اندلعت حرب أمريكية على إيران، فإن السؤال الحقيقي لا يكون: هل ستنتصر إيران أم تُهزم؟ بل يصبح: من يسمح بانتصار أمريكي كامل، ومن يمنعه؟
في هذا السياق، يكثر الحديث عن روسيا والصين خصوصاً في عالمنا العربي، ويكثر معه الوهم؛ وهم الحلفاء والمحاور والاصطفافات الأخلاقية. غير أن الجغرافيا السياسية لا تعمل بهذه اللغة، بل بلغة أبرد وأكثر قسوة. فإيران ليست حليفاً يُدافع عنه، بل ساحة صراع تؤدي وظيفة محددة في ميزان القوى العالمي لا أكثر ولا أقل , ولعل إبقاء الولايات المتحدة منشغلة، ومنعها من فرض هيمنة نظيفة على الخليج وممرات الطاقة أمر مهم .لكن، طالما تؤدي إيران هذه الوظيفة، فهي بلا شك مهمة، أما شكل النظام أو حجم الخسائر أو شعارات الصمود، فهي تفاصيل محلية لا تغيّر كثيرا في حسابات العواصم الكبرى والفذة في العالم.
الصين تفكّر بمنطق مختلف عن المنطقة بأسرها. فهي لا تبحث عن معركة فاصلة ولا عن انتصار إعلامي، بل تراهن على الزمن، إذ تعتبره العامل الأهم في استراتيجيتها. لكن إيران بالنسبة لبكين ليست مجرد ساحة استنزاف للولايات المتحدة، بل أيضا حلقة أساسية في مشروع الحزام والطريق، ومصدر مهم للنفط الذي تحتاجه لتغذية نموها الاقتصادي.
اندلاع حرب على إيران يعني لبكين اضطراباً في إمدادات الطاقة، وتعطيلا محتملاً لممرات تجارية حيوية، إضافة إلى استنزاف جديد للولايات المتحدة وتشتيت تركيزها عن آسيا وتايوان. لذلك ستعارض الصين الحرب سياسياً وتدينها دبلوماسيا، وربما تقدّم دعماً اقتصادياً وتقنيا لإيران، لكنها لن تدخل الحرب مباشرة. فالصين لا تنقذ حلفاء، بل تحافظ على مسافة آمنة من الحرائق، وتراهن على أن خصمها يحترق أكثر مما تحترق هي. ومن منظور صيني بحت، خسارة إيران أهون من خسارة الصين نفسها في مواجهة مباشرة مع أمريكا، لكن بقاء إيران كعقدة في طريق الحرير وكخزان للطاقة يجعلها بالنسبة لبكين مهمة بقدر ما تؤدي وظيفتها.
أما روسيا، فتنظر إلى إيران بعين مختلفة. فهي دولة تحكمها ذاكرة الحصار والغزو منذ القدم ، وترى العالم خريطة أمنية قبل أن يكون سوقا. سقوط إيران سقوطا كاملاً يعني لموسكو تمدد النفوذ الأمريكي جنوبا، اختناق القوقاز وآسيا الوسطى، واقتراب الناتو من حدود حساسة. لذلك قد تقبل روسيا إنهاك إيران، لكنها لن تقبل انهيارها التام أو تحويلها إلى قاعدة أمريكية. تدخلها ، إن حدث ، لن يكون استعراضا عسكريا، بل دعماً محسوبا ، دفاعات، استخبارات، تسليح نوعي… أي كل ما يرفع كلفة الحرب دون توسيعها إلى صدام مباشر.
الخطأ الشائع هو الاعتقاد بأن روسيا والصين تسعيان إلى نصر إيراني. الحقيقة أنهما تسعيان فقط إلى منع نصر أمريكي حاسم. ففي ميزان القوى، نصر إيران الكامل غير مطلوب، وهزيمتها السريعة غير مسموحة، والأفضل هو حرب طويلة، مكلفة، بلا حسم. هكذا تُدار الصراعات الكبرى: لا لإنقاذ الدول، بل لإدارة التوازنات.
في منطقتنا ، أقصد شعوب الشرق الأوسط، ما زلنا نبحث عن المنقذ الخارجي، ونُسقط على الدول الكبرى أخلاقيات لا تؤمن بها. روسيا ليست نصيرا، والصين ليست حليفا، وأمريكا ليست شرا مطلقاً ولا عقلا مجنوناً . الجميع يعمل وفق مصالحه، ونحن غالبا ندفع الثمن. إيران، مثل غيرها، تُستخدم بقدر ما تصمد، وتُترك تنزف بقدر ما يلزم، ثم يُعاد ترتيب المشهد.
إذا اندلعت الحرب على إيران، فلن تُترك وحيدة، لكنها لن تُنقذ. روسيا ستمنع السقوط الكامل، الصين ستراهن على الاستنزاف وتحافظ على عقدة طريق الحرير، وأمريكا ستبحث عن ضربة تُعيد فرض الهيبة. أما المنطقة، فستبقى ساحة اختبار لا طاولة قرار. ففي عالم الإمبراطوريات لا أحد يقاتل عن أحد، ولا أحد ينتصر من أجل غيره، والدماء دائما محلية… أما الأرباح فدولية.