العنف بوصفه بديل الدولة في المجتمعات التي فشلت في احتكار الحياة


ليث الجادر
2026 / 1 / 10 - 10:07     

مقدمة: حين لا يكون العنف انحرافًا

يُقدَّم العنف في الخطاب السياسي والأخلاقي السائد بوصفه خللًا، أو انحرافًا عن النظام، أو نتيجة مباشرة لغياب القانون وتفكك الضبط المؤسسي. ويستند هذا التوصيف، في عمقه، إلى افتراضٍ غير مُعلن مفاده أن الدولة قائمة أصلًا بوصفها كيانًا مكتمل الشروط، يحتكر العنف ويضبط شروط استخدامه ويحوّله إلى أداة قانونية محصورة. غير أن هذا الافتراض ذاته يصبح موضع سؤال حين ننتقل إلى مجتمعات لم تعرف، تاريخيًا أو فعليًا، دولة تحتكر الحياة قبل أن تحتكر العنف.

لكن ماذا لو كان العنف نتاجًا مباشرًا لفشل الدولة، لا خروجًا عليها؟ وماذا لو كان العنف، في بعض المجتمعات، لا يمثّل نقيض الدولة ولا انحرافًا عنها، بل بديلها العملي واليومي؟ هنا لا يعود العنف حدثًا استثنائيًا أو حالة طارئة، بل يتحول إلى بنية تنظّم العلاقات، وتملأ فراغًا تركه غياب الدولة بوصفها منظمًا عامًا للحياة.

تنطلق هذه الدراسة من فرضية صادمة في بساطتها وقاسية في دلالاتها: حين تفشل الدولة في احتكار تنظيم العمل والحماية، يتحول العنف إلى لغة اجتماعية تنظّم ما عجزت الدولة عن تنظيمه، ويغدو أداة عقلانية داخل منطق البقاء لا انفجارًا أعمى خارج العقل.

أولًا: احتكار العنف ليس مسألة أمنية

لا يُفهم احتكار الدولة للعنف، نظريًا، بوصفه مسألة شرطية أو عسكرية فحسب، ولا باعتباره قدرة تقنية على القمع أو الردع. إن احتكار العنف، في جوهره، هو احتكار لتنظيم الحياة نفسها، أي القدرة على ضبط شروط العيش والعمل والتوزيع والانتماء. فالدولة لا تحتكر العنف لأنها تمتلك السلاح فقط، بل لأنها تنجح في تحويل العنف إلى آخر الحلول بعد أن تكون قد نظّمت ما يسبق العنف.

فالدولة لا تحتكر العنف إلا لأنها تنظّم العمل بوصفه مصدر الدخل والكرامة، وتضمن الدخل بما يكسر منطق الاحتراب على الموارد، وتربط الفرد بالقانون بدل ربطه بالجماعة الأولية، وتستبدل منطق الحماية الخاصة بمنطق الحماية العامة. حين تغيب هذه الشروط، يصبح احتكار العنف مستحيلًا عمليًا، مهما تضخّم الجهاز الأمني وتكاثرت مؤسساته.

العنف، في هذه الحالة، لا يظهر لأن الدولة ضعيفة أمنيًا، بل لأنها غائبة اجتماعيًا. فالدولة التي تفشل في تنظيم شروط الحياة اليومية، لا تستطيع إقناع الأفراد بالتخلي عن أدوات العنف، لأن العنف يصبح حينها شرطًا للبقاء لا أداة للتمرد.

ثانيًا: من العنف الفوضوي إلى العنف الوظيفي

في المجتمعات المنقسمة إنتاجيًا، حيث يغيب الاقتصاد المنظَّم وتتفتت شروط العمل، لا يكون العنف عشوائيًا كما يُصوَّر عادة. بل يتحول تدريجيًا إلى عنف وظيفي يؤدي أدوارًا محددة داخل بنية اجتماعية مأزومة. فهو يحمي مصادر العيش حين تغيب الحماية العامة، ويفرض التوزيع حين يفشل السوق والدولة، ويؤمّن الانتماء حين تتلاشى رابطة المواطنة، ويفضّ النزاعات خارج القانون حين يصبح القانون غائبًا أو منحازًا.

العشيرة، أو الطائفة، أو الجماعة المسلحة، لا تستخدم العنف بوصفه تعبيرًا عن “بدائية” أو ارتدادًا إلى ما قبل الدولة، بل بوصفه أداة تنظيم بديلة داخل فراغ مؤسسي. العنف هنا ليس نقيض التنظيم، بل شكله المتاح. ومن ثمّ، يصبح العنف شكلًا من أشكال السياسة حين تغيب السياسة بوصفها إدارة عامة للإنتاج والموارد، ويغدو وسيلة عقلانية لإدارة الندرة لا انفلاتًا أخلاقيًا بلا معنى.

ثالثًا: العنف كلغة تفاوض داخل الدولة المزدوجة

في ظل ما يمكن تسميته بالدولة المزدوجة، لا يُمارس العنف ضد الدولة فقط، بل معها وفي داخلها. فالدولة الرسمية، بدل أن تنهي العنف، تدخل في تفاوض دائم معه: تساوم الجماعات المسلحة، تستوعبها داخل مؤسساتها، أو توزّع الريع عليها مقابل الولاء أو الصمت. وبهذا، لا يعود العنف فعل تمرّد يهدف إلى إسقاط الدولة، بل وسيلة تفاوض على الحصة والشرعية والمكان داخلها.

العنف، في هذا السياق، لا يسعى إلى تدمير الدولة، بل إلى إعادة توزيع سلطتها ومواردها. إنه لغة تفاوض خشنة داخل نظام عاجز عن إنتاج الشرعية عبر العمل والقانون، فيتحول العنف إلى أداة اعتراف متبادل بين دولة لا تحتكر الحياة وجماعات لا ترى بديلًا عن السلاح.

رابعًا: لماذا تفشل أخلاقيات “نبذ العنف”؟

تفشل خطابات نبذ العنف لأنها تخاطب النتيجة وتتجاهل السبب. فهي تتعامل مع العنف بوصفه خيارًا أخلاقيًا سيئًا يمكن العدول عنه بالموعظة، لا بوصفه ضرورة اجتماعية نشأت عن اختلال بنيوي. لا يمكن نزع سلاح مجتمع لا تضمن له الدولة العمل، ولا الحماية، ولا العدالة، ولا أفق العيش الكريم.

العنف لا يُلغى بالوعظ ولا بالشعارات، بل بإلغاء ضرورته الاجتماعية. وما دامت شروط الحياة تُدار بالعنف، فإن الدعوة إلى نبذه تبقى خطابًا معلقًا في الهواء، عاجزًا عن لمس الواقع الذي يُنتجه.

خامسًا: العنف والهوية: علاقة تبادلية لا سببية

لا يولد العنف من الهوية بوصفها معطًى ثقافيًا ثابتًا، بل تُنتج الهويةُ العنفَ حين تتحول إلى إطار حماية أو شرط بقاء. فالهوية، في سياق انهيار الدولة، تصبح بديلًا عن المواطنة، وتتحول من سردية رمزية إلى بنية مادية للدفاع والعيش.

وفي المقابل، يعيد العنف إنتاج الهوية بوصفها رابطة مصير، ويعمّق حدودها ويشدّد نقاءها. وهكذا، تدخل المجتمعات في حلقة مغلقة: عنف يُنتج هوية، وهوية تُبرّر العنف، في دورة لا تنكسر بخطاب ثقافي أو دعوة أخلاقية، بل بتفكيك الشروط المادية التي تجعل العنف ضرورة والهوية سلاحًا.

سادسًا: تعميم النموذج

يمكن رصد هذا النمط في المجتمعات الريعية التي فشلت في بناء اقتصاد منتج، وفي الدول ما بعد الاستعمار التي ورثت جهاز دولة بلا قاعدة اجتماعية، وفي الكيانات التي لم تنجح في ربط العمل بالحماية والحقوق. في هذه السياقات، لا يعود السؤال: لماذا ينتشر العنف؟ بل يصبح السؤال الأعمق: لماذا لا ينهار المجتمع رغم غياب الدولة؟

والجواب الصادم هو أن العنف ملأ الفراغ. لقد قام بوظائف الدولة الغائبة، ومنع الانهيار الكامل، ولو بثمن باهظ.

خاتمة: العنف ليس نقيض الدولة، بل ظلّها

في المجتمعات التي فشلت فيها الدولة في تنظيم الحياة، لا يكون العنف نقيضًا للنظام، بل شكله الآخر. ولا يكون خللًا أخلاقيًا طارئًا، بل حلًا اجتماعيًا مؤقتًا نشأ عن الضرورة. غير أن هذا الحل، مهما بدا وظيفيًا، يظل مكلفًا، ومدمّرًا، وغير قابل للتحول إلى دولة.

ومن هنا، لا يكمن التحدي الحقيقي في القضاء على العنف بوصفه ظاهرة معزولة، بل في استعادة السياسة من قبضته. واستعادة السياسة لا تتم إلا بإعادة بناء الدولة بوصفها منظِّمًا للعمل، وضامنًا للعيش، ومحتكرًا مشروعًا للعنف لأنه احتكر أولًا الحياة. إلى أن يحدث ذلك، سيبقى العنف يمارس وظيفة الدولة، لا لأنه يريد، بل لأن لا أحد غيره يقوم بها.