لماذا كل هذا الحقد والإرهاب ضد الكورد؟
جوتيار تمر
2026 / 1 / 9 - 15:50
كوردستان / 9-1-2026
لا يمكن فهم حجم الحقد والإرهاب الممارس ضد الكورد بوصفه مجرد ردود أفعال ظرفية أو أخطاء سياسية معزولة، بل هو نتاج بنية ذهنية–سياسية راسخة في أنظمة المنطقة، ترى في الوجود الكوردي وحقوقه المشروعة تهديدا دائما لمفاهيمها القومية الضيقة ولأنماط سلطتها المركزية القمعية؛ فالقضية الكوردية، منذ تشكل دول الشرق الأوسط الحديثة، وضعت في خانة -المشكلة الأمنية- بدل كونها قضية حقوق شعب، ما فتح الباب أمام تبرير العنف والإرهاب باسم الحفاظ على الدولة والدين.
تتعرض المطالب الكوردية، الثقافية والسياسية والاقتصادية، إلى إنكار ممنهج، وتقابل عادة بسياسات تهميش وقمع تتدرج من الإقصاء الإداري إلى الإرهاب المباشر؛ إن مجرد المطالبة بالاعتراف بالهوية أو باللغة أو الإدارة الذاتية يفسر من قبل الحكومات المركزية – القومية - بوصفه مشروع انفصال، رغم أن التجربة التاريخية تثبت أن إنكار الحقوق هو الذي يولد الصراع، لا العكس.
في الشرق الكوردستاني، تشهد المدن الكوردية اليوم حراكا شعبيا واسعا، تخرج فيه الجماهير في تظاهرات سلمية وعلنية تطالب بأبسط الحقوق الإنسانية والمعيشية؛ هذه الاحتجاجات لا تعكس فوضى، بل تعكس تآكل شرعية الدولة المركزية – القمعية - في تلك المناطق؛ غير أن السلطات، بدل الاستجابة السياسية، تلجأ إلى أدوات الإرهاب: الرصاص الحي، الاعتقالات الجماعية، المحاكمات الصورية، والإعدامات بتهم فضفاضة مثل -المساس بالأمن القومي-، في محاولة يائسة لإخماد صوت الشارع وإعادة إنتاج الخوف؛ إلا أن الامر لم ينجح بل تحول الى ثورة عارمة تحرق اليابس والاخضر الان في غالبية المدن الايرانية.
وفي الشمال، تمارس سياسات إنكار الهوية الكوردية بأسلوب أكثر مؤسسية، حيث يحظر التعبير الثقافي واللغوي، وتجرم الرموز التاريخية، ويعاد تعريف الكوردي بوصفه -تهديدا داخليا-؛ تستخدم تهمة الإرهاب كسلاح سياسي جاهز لتبرير التهجير القسري، وتغيير البنية الديموغرافية، وتجفيف أي حراك مدني مستقل، في إطار مشروع صهر قومي – تركي عثماني - لا يعترف بالتعدد ولا بالشراكة.
أما في الغرب، فقد اتخذ الإرهاب ضد الكورد شكله الأكثر عريا ووحشية، حيث تتعرض الأحياء والتجمعات الكوردية لهجمات منظمة تنفذها فصائل ارهابية مسلحة خاضعة لحكومة الجولاني – الارهابي - تستهدف المدنيين مباشرة: نساء وأطفالا وشيوخا؛ لا تهدف هذه العمليات إلى -ضبط الأمن- كما يدعى، بل إلى ترهيب المجتمع الكوردي وفرض وقائع ديموغرافية جديدة عبر القتل والتهجير، ضمن سياسة تهميش تاريخية ممتدة؛ فالقوات الكوردية والقوى الاخرى – قسد - والتي هي تحت زعامة كوردية اصبحت شوكة في طريق ارهابهم.
ولا يمكن عزل ما يجري في هذه الجغرافيا عن واقع الكورد في العراق اليوم، حيث تمارس بغداد شكلا مختلفا لكنه لا يقل خطورة من القمع، عبر سياسة المساومات السياسية والضغط الاقتصاديي؛ فحقوق الكورد الدستورية تحول إلى أوراق تفاوض بين القوى المتنفذة، ويستخدم المواطن والموظف الكوردي كرهينة سياسية، من خلال تعطيل الرواتب، وفرض العقوبات المالية، وابتزاز الإقليم لتحقيق مكاسب لا علاقة لها بمصالح الناس؛ هذا السلوك لا يعكس خلافا إداريا، بل يعكس عقلية عقابية ترى في الكورد طرفا يجب إخضاعه لا شريكا في الدولة.
وإلى جانب هذا الضغط الخارجي، برز دور بعض القوى الداخلية التي اختارت، عن وعي أو ارتهان، الاصطفاف مع أجندات إقليمية، ساعية إلى تمزيق نسيج التعايش داخل كوردستان؛ وقد تحولت هذه القوى إلى أدوات خطابية وسياسية تعيد إنتاج سرديات دول الجوار داخل البيت الكوردي ذاته.
ورغم التناقضات الأيديولوجية بين أنظمة المنطقة، فإنها تلتقي تكتيكيا عند نقطة واحدة؛ العداء للحقوق الكوردية؛ هذا الالتقاء يكشف خوفا عميقا من وعي الشعب الكوردي، ومن قدرته على الصمود، ومن إصراره التاريخي على البقاء، وهو في جوهره استمرار لعقلية استعمارية قديمة، ترفض الاعتراف بحق تقرير المصير، وتؤمن بأن العنف وحده كفيل بإدامة السيطرة.
إن استمرار نهج الحقد والإرهاب ضد الكورد لا يعكس قوة هذه الأنظمة، بل هشاشتها. فالدولة التي تخاف من لغات شعوبها ومن مطالب مواطنيها، هي دولة مأزومة في بنيتها، عاجزة عن إنتاج عقد اجتماعي عادل؛ ولن يكون مستقبل المنطقة أكثر استقرارا ما دامت الحقوق تواجه بالرصاص، والمطالب المشروعة تقايض بالحصار، وشعب بأكمله يعاقب لأنه يصر على أن يكون نفسه.
ومع كل هذا المشهد القاتم، فإن ما يجري اليوم لا ينبغي قراءته بوصفه ذروة الهزيمة، بل بوصفه فرصة تاريخية جديدة للكورد لإعادة لحم الذات الكوردية التي مزقتها الحدود القسرية والخلافات الداخلية؛ إن الإرهاب الإقليمي الموجه ضد الكورد، على اختلاف أشكاله ومسمياته، يكشف بوضوح أن الاستهداف واحد، وأن الجغرافيا المتعددة لا تعني تعدد المصير؛ فالكوردي الذي يقمع في الشرق، ويحاصر في الشمال، ويستهدف في الغرب، ويجفف اقتصاديا في الجنوب، هو ذات الكوردي الذي يراد له أن يختفي من التاريخ.
لقد آن الأوان لترك الخلافات الحزبية الضيقة خلف الظهر، تلك الخلافات التي استنزفت الطاقة الكوردية أكثر مما فعل أعداؤها، وللانتقال من منطق التنافس الداخلي إلى منطق التكامل والمساندة المتبادلة؛ إن مد يد العون بين الكورد في جميع الأجزاء لم يعد ترفا سياسيا، بل ضرورة وجودية، لأن الإرهاب لا يفرق بين حزب وآخر، ولا يعترف بحدود رسمتها قوى الهيمنة.
إن وحدة الموقف الكوردي، ولو في حدها الأدنى، كفيلة بإرباك مشاريع الإقصاء، وبكشف زيف الخطاب الذي يبرر القمع باسم -الأمن- و -لوحدة الوطنية-، فالشعوب لا تمحى بالقوة، والهويات التي صمدت لآلاف السنين أمام الإمبراطوريات والغزوات لا يمكن اقتلاعها بمرسوم أو بحملة عسكرية أو بحصار اقتصادي.
لقد أثبت التاريخ، مرارا، أن الكورد قد يهزمون عسكريا في لحظة ما، لكنهم لا يهزمون وجوديا؛ وأن محاولات محوهم لم تنتج إلا مزيدا من الوعي والإصرار على البقاء، ومن يراهن على كسر إرادة هذا الشعب، إنما يكرر أخطاء الماضي ذاتها، متجاهلا حقيقة بسيط؛ : الكورد لا يمكن محوهم، لأنهم جزء أصيل من تاريخ هذه المنطقة ومستقبلها.