حين لا تكفي شهادة الوفاة: فاضل برواري نموذجاً


جعفر حيدر
2026 / 1 / 9 - 13:51     

لم يكن فاضل جميل البرواري مجرد ضابط عسكري شغل منصباً أمنياً وانتهت حكايته ببيان وفاة مقتضب، بل كان واحداً من الرجال الذين تشكّلت حياتهم داخل ساحات النار، وتحوّلوا مع الزمن إلى عقدة التقاء بين السلاح والسياسة والملفات السرّية. وُلد عام 1966 في محافظة دهوك، من عشيرة البرواري المعروفة بتاريخها الاجتماعي والعسكري في شمال العراق، ونشأ في بيئة قاسية فرضت عليه الالتحاق المبكر بالعمل المسلح، فانخرط منذ شبابه في صفوف قوات البيشمركة الكردية، ليعمل آمراً ميدانياً بين عامي 1980 و1991، وهي مرحلة شهدت صدامات مسلحة متواصلة، وحروب استنزاف طويلة، وصراعات داخلية جعلت من الميدان مدرسة قاسية صقلت شخصيته القيادية. خلال تلك السنوات، شارك البرواري في معارك جبلية معقّدة ضد قوات النظام السابق، وعمليات كرّ وفرّ داخل المناطق الحدودية، إضافة إلى صدامات داخلية فرضتها طبيعة الصراع السياسي والعسكري في إقليم كردستان آنذاك، ما أكسبه خبرة عالية في حرب العصابات والعمليات الخاصة. بعد عام 2003، ومع انهيار مؤسسات الدولة العراقية، برز اسم فاضل البرواري في واحدة من أخطر المراحل التي مرّ بها العراق، حيث ساهم بشكل مباشر في تأسيس جهاز العمليات الخاصة العراقية، الذي تحوّل لاحقاً إلى نواة جهاز مكافحة الإرهاب، وشارك في وضع أسس التدريب والعقيدة القتالية للوحدات الخاصة، مستفيداً من خبرته السابقة في البيشمركة والعمل الميداني. خاض البرواري، بصفته آمراً وقائداً، معارك مفتوحة ضد الجماعات المسلحة والتنظيمات المتطرفة في بغداد ومحافظات أخرى، وشارك في عمليات نوعية خلال سنوات الحرب الأهلية العراقية، ثم في المواجهات المبكرة مع تنظيم القاعدة ولاحقاً تنظيم داعش، وهي معارك لم تكن عسكرية فقط، بل كانت استخبارية وسياسية في آن واحد، نظراً لتشابك الفاعلين المحليين والإقليميين فيها. سياسياً، لم يكن البرواري رجل منصة أو خطاب، لكنه لعب دوراً سياسياً غير معلن من موقعه الأمني، إذ كان حلقة وصل بين مراكز القرار في بغداد وبعض القيادات الكردية، وامتلك قدرة على التحرك في المساحات الرمادية بين الولاء الرسمي للدولة العراقية والانتماء التاريخي لقوات البيشمركة، ما جعله لاعباً صامتاً في إدارة التوازنات الحساسة، ومرجعاً أمنياً في ملفات شديدة التعقيد تتعلق بمكافحة الإرهاب، وترتيب العلاقات بين المركز والإقليم، وضبط الإيقاع الأمني في مراحل الانفلات. هذا الدور المزدوج، العسكري والسياسي، جعله محاطاً بهالة من الغموض، وفتح عليه أبواب خصومة صامتة مع أطراف نافذة تضررت من نفوذه ومعلوماته. في 20 أيلول/سبتمبر 2018، أُعلن عن وفاة فاضل البرواري في دهوك، وقُدّم السبب رسمياً على أنه “نوبة قلبية”، غير أن هذه الرواية لم تُقنع كثيرين ممن عرفوا حساسية موقعه وطبيعة الملفات التي كان يطلع عليها، لتتحول وفاته إلى واحدة من أكثر حالات الموت غموضاً في سجل الشخصيات الأمنية العراقية، حيث يُنظر إلى الحديث عن السكتة القلبية بوصفه إشاعة مريحة لإغلاق ملف ثقيل، فيما تشير الملابسات والسياق العام إلى احتمال اغتيال صامت جرى تمريره بلا ضجيج. وبين رواية رسمية باردة وأسئلة لم تجد إجابات، يبقى فاضل البرواري نموذجاً لرجل عاش في قلب المعارك، وتحرك في ظل السياسة دون أن يتصدرها، وانتهت حياته بطريقة تليق بمرحلة اعتادت أن تُخفي موتها الحقيقي خلف تقارير طبية جاهزة، تاركة الحقيقة مؤجلة إلى إشعار آخر.