|
|
غلق | | مركز دراسات وابحاث الماركسية واليسار | |
|
خيارات وادوات |
|
|
رؤية المجتمع لليسار العراقي
إن رؤية المجتمع العراقي لليسار العراقي تتشكل عبر تراكمات تاريخية وسياسية وثقافية جعلت اليسار يظهر في الوعي الجمعي العراقي بصورة مزدوجة تجمع بين الإعجاب من جهة والريبة من جهة أخرى، فهناك شريحة واسعة من المجتمع ترى اليسار بوصفه جزءاً من الذاكرة الوطنية التي ارتبطت بالنضال ضد الاستعمار والدكتاتورية وبالدفاع عن حقوق العمال والطبقات المسحوقة وبتاريخ طويل من النشاط النقابي والطلابي والثقافي، مما جعل صورته لدى هذه الفئات تحمل طابعاً أخلاقياً وطنياً، بينما ترى شريحة أخرى – متأثرة بالإرث الديني والمحافظ وبالدعاية التي استمرت لعقود – أن اليسار يمثل اتجاهاً بعيداً عن القيم التقليدية وأنه تيار فكري مستورد لا ينسجم مع البنية الاجتماعية المحافظة، مما جعل صورته لديهم مشوشة أو سلبية، أما لدى جيل الشباب فقد بدأت تتشكل صورة جديدة تماماً لليسار، صورة لا ترى فيه أيديولوجيا جامدة بل تراه تياراً مدنياً احتجاجياً يقف مع الدولة المدنية وضد الفساد والطائفية ويشارك في الحركات الاحتجاجية، ما جعل جزءاً كبيراً من الجيل الجديد ينظر إليه كصوت أخلاقي لا كقوة انتخابية، في حين يرى آخرون أنه رغم تاريخه الطويل فإنه لم ينجح بعد 2003 في تكوين نفوذ سياسي قوي ينافس القوى الطائفية، مما خلق انطباعاً لدى بعض فئات المجتمع بأن اليسار ذو رمزيات كبيرة وتأثير جماهيري صغير، وتتفاوت هذه الرؤية من مدينة إلى أخرى ومن بيئة ثقافية إلى أخرى، ففي المدن الكبرى حيث تنتشر الجامعات والأنشطة الثقافية يحظى اليسار باحترام أعلى، بينما في البيئات الريفية المحافظة يبقى حضوره ضعيفاً، كما أن تحالفاته السياسية بين فترة وأخرى أثرت على صورته، فهناك من رأى فيها خطوات إصلاحية شجاعة، وهناك من رأى أنها لم تُنتج نتائج ملموسة، وكل ذلك جعل اليسار يظهر في نظر المجتمع كتجربة تاريخية مهمة لكنها متأرجحة بين تأثير أخلاقي واحتمال سياسي محدود، ومع كل أزمة يمر بها البلد يتجدد النقاش حوله، فحين يفشل النظام الطائفي يتجه المواطن إلى إعادة تقييم تياراته المدنية، وحين تتراجع الاحتجاجات يتراجع الاهتمام باليسار، لذلك فإن رؤية المجتمع العراقي لليسار ليست ثابتة بل تتغير بتغير الظروف، وتتحرك مع التحولات الاقتصادية والسياسية، وتبقى مرآة لصراع داخلي بين الهوية الدينية والهوية المدنية وبين الحاجة إلى العدالة الاجتماعية والرغبة في الاستقرار، ليظل اليسار تياراً يحمله البعض كذاكرة نضالية ويراها آخرون كأفكار غير قابلة للتطبيق، بينما يتحرك في وعي الجيل الجديد كرمز مدني في بلد يبحث عن دولة حقيقية وسط فوضى السياسة.
|
|
||||