الدولة المزدوجة: حين تفشل الدولة في توحيد نمط الإنتاج
ليث الجادر
2026 / 1 / 9 - 00:15
مقدمة: الدولة التي لا تحتكر الحياة
تُفهم الدولة الحديثة، نظريًا، بوصفها الإطار الذي يحتكر العنف، ينظم العمل، ويوفّر شروط العيش العامة. غير أن هذا التعريف يفترض مسبقًا وحدة القاعدة الإنتاجية التي تعمل الدولة فوقها، أي وجود نمط إنتاج قادر على تنظيم العمل، توزيع الدخل، وإنتاج الشرعية في آن واحد. لكن في السياقات الريعية، أو في مجتمعات اقتصاد الحرب والتهريب، لا يعمل الإنتاج بوصفه قاعدة مستقرة، بل كسلسلة أنشطة متقطعة ومشوّهة، ما يجعل هذا الافتراض موضع انهيار.
ماذا يحدث إذن حين تُبنى دولة فوق مجتمع منقسم إنتاجيًا؟
النتيجة ليست دولة ناقصة فحسب، بل دولة مزدوجة.
أولًا: من الدولة الواحدة إلى الازدواج البنيوي
حين تعجز الدولة عن تنظيم العمل، وتوفير الدخل، واحتكار العنف، فإن المجتمع لا ينتظر إصلاحها، بل يبتكر بدائله الخاصة. هذه البدائل لا تنشأ من وعي سياسي بديل مكتمل، بل بوصفها حلولًا اضطرارية مؤقتة، غير أنها تتحول مع الزمن إلى بنى دائمة بفعل استمرار الفشل. وهنا تظهر تشكيلات تؤدي وظائف الدولة عمليًا دون أن تحمل اسمها، ليست خارج الدولة ولا مناقضة لها، بل نتاجًا مباشرًا لعجزها البنيوي.
ثانيًا: الدولة من الأعلى والدولة من الأسفل
في هذا السياق، يتشكّل نمطان من السلطة يعملان في آن واحد داخل الحيز نفسه.
الدولة الرسمية، القانونية والشكلية، تعتمد في بقائها على الريع أو الدعم الخارجي، وتمارس سيادتها عبر الخطاب والمؤسسات، أكثر مما تمارسها عبر تنظيم الحياة المادية. في مقابلها، تتشكل دولة اجتماعية–حامية، غير رسمية، قائمة على العشيرة أو الطائفة أو السلاح، تؤمّن العمل والحماية والتوزيع الفعلي، لكنها ليست بالضرورة كتلة متماسكة أو نظامًا مستقرًا؛ فهي في كثير من الأحيان متصارعة داخليًا، وقابلة للتفكك، وتؤدي أحيانًا دورًا تفكيكيًا بقدر ما تؤدي دورًا حمائيًا. هنا لا تعود العشيرة بقايا ما قبل الدولة، بل شكلًا بديلًا للسيادة، نشطًا لكنه هش.
ثالثًا: العنف بوصفه لغة الدولة المزدوجة
في الدولة المزدوجة لا يكون العنف انحرافًا عن النظام، بل وسيلة تفاوض بين سلطتين تعملان داخل فراغ سيادي واحد. غير أن هذا العنف لا يصبح آلية تنظيم إلا حين يكون مضبوطًا ومفهومًا ضمن توازنات القوة؛ فعندما يفلت من هذه التوازنات، يتحول إلى عنف تفكيكي شامل، لا ينظّم الفراغ بل يوسّعه، ويقوّض حتى البنى التي تدّعي الحماية.
رابعًا: لماذا تفشل الإصلاحات؟
تفشل محاولات الإصلاح الإداري أو الدستوري لأن المشكلة لا تكمن في القوانين أو النصوص، بل في غياب الدولة بوصفها منظِّمًا للإنتاج. الإصلاح يتعامل مع الدولة كجهاز فوقي مستقل، لا كنتاج لعلاقة اجتماعية–اقتصادية محددة. لذلك، لا يمكن إصلاح دولة لا تنظّم العمل، بل تعيش فوقه، وتعيد توزيع ريعه دون أن تمسّ شروط إنتاجه.
خامسًا: تعميم النموذج
لا يقتصر هذا النموذج على حالة بعينها. يمكن رصده في العراق، اليمن، لبنان، ليبيا، السودان، وحتى في بعض هوامش الدولة الحديثة. ورغم اختلاف هذه الحالات في نوع الريع، ودرجة التدخل الخارجي، وطبيعة المجتمع الأهلي، فإن ما يجمعها ليس تشابه المسارات التاريخية، بل غياب دولة قادرة على توحيد نمط الإنتاج بوصفه شرطًا للسيادة.
خاتمة: الدولة التي لا تنتج شعبًا
الدولة التي لا توحّد شروط العمل لا تنتج مواطنين، بل تابعين، ولا تحتكر العنف، بل تفاوض عليه. عند هذه النقطة، يصبح سؤال الإصلاح سؤالًا مضلّلًا، لأن المشكلة ليست في كيفية إصلاح الدولة، بل في كيفية إنهاء ازدواجها. ولا يتحقق ذلك عبر النمو أو الاستثمار بمعناهما التقني، بل عبر إعادة بناء الاقتصاد بوصفه تنظيمًا للعمل ينتج الانتماء والشرعية، ويجعل السياسة ممكنة بوصفها نتيجة، لا بديلًا عن الغياب.