الهجوم على فنزويلا خطوة ضمن مسار هيمنة تمركز الرأسمال الأمريكي، وآفاق النضال


صابر محمد
2026 / 1 / 7 - 21:48     

مجريات تطوّر الصراع العالمي


إن الترجمة العملية و العسكرية الهجومية لقرار فرض الضرائب الأمريكية على بلدان العالم قاطبة، وما رافقه من هيمنة اقتصادية وسياسية، تمثّلت في القرار السياسي والعسكري الصادر عن وزارة الحرب الأمريكية، والذي استهدف الهجوم على الدولة الفنزويلية واعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته. وقد جاء هذا القرار بمثابة شلٍّ لدور الدولة البرجوازية الوطنية، وترسيخٍ لسيادة الرأسمال الاحتكاري الأمريكي.

بدأ تنفيذ هذا القرار السياسي والعسكري في الساعة الثانية فجرًا بتوقيت كاراكاس، وأُطلقت على العملية تسمية «العزم المطلق».
لم تأتِ هذه التسمية اعتباطًا أو استجابةً لرغبة شخصية، بل كانت تعبيرًا وانعكاسًا لإرادة طبقية، ولجبروت تمركز الرأسمال العالمي بيد الولايات المتحدة، وانفراده بالحكم المطلق وإدارة شؤون العالم ككل.

الخلفية التاريخية لتطوّر الرأسمال

إن الحقبة التاريخية لتطوّر الرأسمال خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية كانت مرحلة تصدير الرساميل، وتكالب الدول الإمبريالية على تقسيم البلدان الفقيرة في آسيا وأفريقيا وأمريكا الجنوبية، وإخضاع حكّامها للسيطرة الإمبريالية، بهدف سرقة ونهب خيرات وموارد هذه البلدان ودمجها في اقتصاداتها الاحتكارية.

لكن بعد إنشاء منظمة الأمم المتحدة وإقرار ميثاقها عام 1945، والتي أُسست وفقًا لمتطلبات تراكم الرأسمال العالمي، ولمواجهة الماركسية والشيوعية والثورات البروليتارية، جرى تكريس سيادة عولمة الرأسمال على المستوى الدولي.

وفي هذا السياق، جاء قرار الرئيس الأمريكي هاري ترومان في 22 أيار/مايو 1945، المعروف باستراتيجية معاداة الشيوعية عالميًا، والذي رسمت من خلاله الولايات المتحدة استراتيجيتها في السياسة الخارجية تجاه بلدان العالم قاطبة، وخصوصًا أوروبا الجنوبية والشرقية.

عملية «العزم المطلق» وإسقاط الشرعية الدولية

إن الهجوم الذي سُمّي بـ «العزم المطلق» جاء بمثابة إعلان صريح لجبروت وقوة الولايات المتحدة، وضربة عملية لإلغاء دور المنظمة الإمبريالية القديمة (الأمم المتحدة) وميثاقها لعام 1945، وتقويضٍ مباشر لصلاحيات محكمتها الجنائية الدولية، وإلغاء الحصانة الدولية التي كان يتمتع بها رؤساء الدول.

إن استخدام تسمية وزارة الحرب حتى عام 1949، ثم تغييرها لاحقًا إلى وزارة الدفاع، كان انعكاسًا للأوضاع الاقتصادية والسياسية التي مرّت بها الولايات المتحدة. غير أن متطلبات مرحلة تمركز الرأسمال الحالية، بطابعها الهجومي، تستدعي – عمليًا – العودة إلى تسمية وزارة الحرب، وهو ما عكسه توقيع الرئيس الأمريكي أمرًا تنفيذيًا لتغيير الاسم، وإحالته إلى الكونغرس للمصادقة عليه.

ما بعد الاتحاد السوفيتي و11 أيلول


إن المرحلة التي أعقبت سقوط الاتحاد السوفيتي بعد عام 1990، ولاحقًا هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001، دشّنت مرحلة جديدة فرضت فيها الولايات المتحدة قوتها وهيمنتها على السياسات العالمية تحت شعار «مكافحة الإرهاب».

وفي سياق هذه السياسة الإمبريالية، وتتويجًا لتاريخ طويل من التدخلات الأمريكية في أمريكا اللاتينية، ولا سيما في فنزويلا وكوبا وكولومبيا وغيرها، حيث سادت أشكال من الاشتراكية الإصلاحية للبرجوازية الصغيرة والفلاحين، بدأ من إرث سيمون بوليفار، وتحديدًا بعد انتخاب هوغو تشافيز عام 1998، والذي اتخذ موقفًا معاديًا ومنافسًا للهيمنة الأمريكية ضمن قطب أوسع شمل روسيا والصين وإيران.

الإمبريالية الأمريكية وأمريكا اللاتينية

إن السياسة الإمبريالية الأمريكية تجاه العالم، وخصوصًا النصف الغربي للكرة الأرضية، ليست بالأمر الجديد. فمنذ مبدأ مونرو، شهد التاريخ أمثلة عديدة، من بينها الغزو الأمريكي لبنما عام 1989، وإزاحة رئيسها مانويل أنطونيو نورييغا مورينو، الذي كان على علاقة طويلة بوكالة الاستخبارات الأمريكية، بذريعة الاتجار بالمخدرات، بينما كان جوهر القضية مرتبطًا بالسيادة على قناة بنما، واتفاقية توريخوس–كارتر.
ومع تطوّر الرأسمالية، انتقل العالم تدريجيًا من مرحلة عولمة الرأسمال إلى مرحلة تمركز الرأسمال، وكانت السياسة الضريبية الأمريكية أول إعلان رسمي للدخول في مرحلة
Mega-Imperialism / Super Imperialism (الإمبريالية العظمى).

استخدام القضاء الأمريكي كأداة هيمنة

يكتسب القضاء الأمريكي قوته من تمركز الرساميل العالمية بيد الإدارة الحاكمة في الولايات المتحدة. وقد أصبح يتمتع بصلاحيات قضائية تتجاوز حدود الدولة، انعكاسًا لهيمنة الدولار عالميًا، ما منحه قدرة شبه مطلقة على تلفيق تهم «الإرهاب» ضد الدول أو الجهات المناهضة للسياسات الرأسمالية الأمريكية–الغربية.
وقد بدأت الولايات المتحدة أواخر عام 2025 بشنّ نحو ثلاثين غارة على سفن وقوارب بحجة تهريب المخدرات، ما أسفر عن مقتل نحو 110 أشخاص من طواقمها، إضافة إلى توقيف سفينة بحرية واعتقال طاقمها لساعات، وتدمير منشأة بحرية قرب فنزويلا بذريعة التهريب.

إن الادعاءات المتعلقة بـ«مكافحة المخدرات» ادعاءات زائفة، إذ إن تجارة المخدرات جزء لا يتجزأ من النظام الرأسمالي العالمي، ومكوّن أساسي من تراكم رؤوس الأموال، وترتبط بالكارتلات الإمبريالية العالمية، وليس بدول بعينها.

دوافع الهجوم على فنزويلا

1- الموقع الجيوسياسي لفنزويلا.


2- امتلاكها احتياطات نفطية تفوق 300 مليار برميل، وتأميم النفط، وخروج الشركات الأمريكية الكبرى.


3-استفادة الصين وروسيا وإيران من النفط والموقع الجغرافي.


4-التخلي عن الدولار وبيع النفط باليوان منذ 2017.


5-التعاون العسكري مع الصين وروسيا وإيران.


6-الادعاء بوجود كارتلات المخدرات مرتبطة بالدولة.


7-اتهام فنزويلا بتسهيل الهجرة غير النظامية.


8-اعتبار السيطرة على فنزويلا بوابة لهيمنة إقليمية أوسع.


الآفاق النضالية للبروليتاريا وانتهازية اليسار البرجوازي

لقد شكّل تأسيس الأمم المتحدة إطارًا إمبرياليًا لتنظيم تراكم الرساميل، ومكافحة الماركسية، عبر تحالف الإصلاحية الشعبوية والستالينية والكاوتسكية. ومع تطوّر تمركز الرأسمال، بات نضال البروليتاريا العالمية ضرورة موحّدة.

إن مبدأ «عدو عدوي صديقي» الذي تبنته التيارات اليسارية الانتهازية، ألغى المصالح الطبقية للبروليتاريا، واصطف إلى جانب أنظمة رجعية ودكتاتورية تحت ذرائع زائفة.
إن الدفاع عن أنظمة مثل النظام الإيراني، أو صدام حسين، أو الحركات الجهادية، أو نظام مادورو، بحجة مواجهة الإمبريالية، ليس سوى انتهازية تهدف إلى طمس استقلالية النضال الطبقي البروليتاري.


خاتمة

إن المرحلة الحالية من تطور الرأسمالية تجاوزت العولمة ودخلت مرحلة تمركز الرأسمال، ولم تعد هناك برجوازية وطنية مستقلة. وعليه، فإن النضال ضد الإمبريالية الأمريكية هو جزء من النضال ضد الرأسمالية العالمية، ولا يمر عبر أوهام «حق تقرير المصير» كما يروّج اليسار الانتهازي، بل عبر نضال طبقي مستقل للبروليتاريا ضد حكّامها وضد الإمبريالية معًا.
وكما جاء في البيان الشيوعي لماركس وإنجلز:
«رغم أن صراع البروليتاريا ليس، من حيث الجوهر، صراعًا قوميًّا، إلا أنه يكتسي هذا الشكل في البداية، إذ يتعيّن على بروليتاريا كل بلد أن تتخلص أولًا من برجوازيتها الخاصة .)