الوقوف الذي لا ينتهي: حين تتحوّل مدرّجات كرة القدم إلى نصبٍ تذكاري للكونغو المنسيّة


أوزجان يشار
2026 / 1 / 7 - 18:49     

المشهد الغريب في المدرجات

في إحدى مباريات كأس أمم إفريقيا الأخيرة، لفت انتباهي مشهدٌ قد يبدو للوهلة الأولى أقرب إلى الكوميديا أو الغرابة: مشجّع للمنتخب الكونغولي الديمقراطي يقف طيلة المباراة، لا يجلس ولا يتحرّك، مرتديًا بذلة ذات ألوان متنافرة؛ سترة زرقاء فاقعة وبنطال أحمر صارخ، وكأنه خارج من زمنٍ آخر أو مسرحٍ سياسي لا علاقة له بالمستطيل الأخضر. يرفع يده في تحية جامدة، ثابتة، لا تشبه تحيات المشجّعين ولا حركاتهم الهستيرية المعتادة.
ضحك بعضهم، تساءل آخرون، واكتفى كثيرون بالمشاهدة العابرة. أما الفضوليون – وأنا منهم – فلم يكن المشهد عابرًا. فهنا، كما يُقال، يكمن الشيطان في التفاصيل.
في كل مباراة يخوضها منتخب الكونغو الديمقراطية، يتكرّر المشهد ذاته: رجلٌ منتصب القامة، كأنه شاهدٌ أُجبر على الحضور، أو حارسٌ يقف على قبرٍ بلا شاهد. تمرّ الدقائق، تتبدّل الهجمات، تهتزّ المدرّجات بالصراخ والضحك، بينما هو ثابت، صامت، كأن جسده عُلّق خارج الزمن.

من هو هذا المشجع؟

هذا المشجع هو ميشيل كوكا مبولادينغا، الملقب بـ”لومومبا فيا” أو “حفيد لومومبا”. يقلد وضعية تمثال باتريس لومومبا الشهير في كينشاسا، رافعاً يده طوال 90 دقيقة أو أكثر، حتى في المباريات الطويلة التي تمتد إلى وقت إضافي. يرتدي بدلة رسمية، نظارات، ويحافظ على هدوء تام، محولاً المدرجات إلى منصة للتذكير التاريخي.
لماذا لا يجلس؟ لماذا لا يصرخ؟ ولماذا تبدو وقفته أشبه بقَسَمٍ قديم؟
قليلون فقط يعرفون أن هذه الوقفة ليست تعصّبًا رياضيًا، ولا استعراضًا غرائبيًا. إنها ذكرى. وما أثقل الذكريات حين تتحوّل إلى وضعية جسدية لا يُسمح لها بالراحة.

باتريس لومومبا: صوت الكونغو المكمَّم

هذه الوقفة تعود إلى اسمٍ واحد: باتريس إيميري لومومبا، الزعيم الوطني الذي أصبح رمزًا للنضال الإفريقي ضد الاستعمار.
لومومبا، المولود عام 1925، لم يكن لاعبًا ولا مشجّعًا، بل كان اختصارًا لحلمٍ إفريقي حاول أن يولد في زمنٍ لا يسمح بالأحلام. كان صوت الكونغو حين قرّر هذا البلد المنهك أن يتكلّم بعد عقود من الصمت القسري، وبعد واحدة من أبشع التجارب الاستعمارية التي عرفها التاريخ الحديث.

مختبر الوحشية: الكونغو تحت حكم ليوبولد الثاني

الكونغو، في ظلّ الحكم البلجيكي، لم تكن مستعمَرة بالمعنى الإداري فحسب، بل كانت مختبرًا للوحشية المنظمة. تحت حكم الملك ليوبولد الثاني (1885-1908)، تحوّلت البلاد إلى “دولة حرة الكونغو” التي كانت في الواقع ملكية خاصة للملك البلجيكي، يديرها كمزرعة شخصية لاستغلال المطاط والعاج والمعادن.
لم يكن الإنسان الإفريقي مواطنًا ولا حتى عبدًا تقليديًا، بل أداة إنتاج قابلة للبتر والإبادة. كانت سياسة الحصص القسرية لجمع المطاط السبب الرئيسي في الجرائم. كان السكان المحليون مجبرين على تسليم كميات محددة من المطاط تحت تهديد العقاب الوحشي. إذا فشلوا في الوفاء بالحصة، كانت العقوبات تشمل قطع الأيدي أو الأرجل، حرق القرى، أخذ النساء والأطفال رهائن، أو القتل المباشر.
كانت قوة “الفورس بوبليك”، الجيش الخاص بليوبولد، تفرض هذا النظام بالرعب. للتأكد من عدم إهدار الذخيرة، كان الجنود يُطلب منهم تقديم يد مقطوعة لكل رصاصة أُطلقت، مما أدى إلى قطع أيدي الأحياء أحيانًا لتوفير الجهد.
يُقدر عدد الضحايا بين 5 إلى 15 مليون شخص، أي نصف سكان الكونغو تقريبًا، بسبب القتل المباشر، المجاعات المتعمدة، الأمراض، والعمل القسري. هذه الجرائم وقعت في عصر “الحداثة الأوروبية”، تحت غطاء “التمدين” و”نشر المسيحية”. استمر الاستغلال حتى بعد تسليم الكونغو إلى الحكومة البلجيكية عام 1908، بعد حملات دولية فضحت الجرائم، مثل تقرير روجر كيسمنت البريطاني. ومع ذلك، لم تعترف بلجيكا رسميًا بمسؤوليتها إلا مؤخرًا، مع إزالة تماثيل ليوبولد واعتذار الملك فيليب عام 2020 عن “أعمال العنف والقسوة”.

خطاب الاستقلال: مواجهة المرآة

من هذا الركام الدامي خرج باتريس لومومبا. ولد في قبيلة تيتلي، عمل موظفًا بريديًا، ثم صحفيًا وزعيمًا سياسيًا، أسس الحركة الوطنية الكونغولية. كان شاعرًا وخطيبًا مفوهًا، يدعو إلى استقلال حقيقي يعيد الثروات للشعب.
في 30 يونيو 1960، يوم الاستقلال، ألقى خطابه الشهير أمام الملك بودوان البلجيكي، الذي كان يمجد “عبقرية” ليوبولد. قال لومومبا:
“رجال ونساء الكونغو، مقاتلو الاستقلال المنتصرون، إن استقلال الكونغو يُعلن اليوم باتفاق مع بلجيكا، دولة صديقة نعاملها كندّ لندّ، لكن لا كونغولي يستحق الاسم يمكنه نسيان أن الاستقلال انتُزع بالنضال… نضال يومي، نضال حار ومثالي، لم نُبخل فيه بجهد أو حرمان أو معاناة أو دم. كنا نتحمل الإهانات، الضرب بالسياط، السخرية صباح مساء، لأننا ‘زنوج’ لا يستحقون معاملة البيض… نعرف الاعتقالات لأننا طالبنا بحقوقنا، والسجون التي أُودعنا فيها دون محاكمة… من منا ينسى الرصاص الذي أزهق أرواح إخواننا؟… كل ذلك تحملناه، لكننا سنبني وطنًا غنيًا حرًا مزدهرًا. عاش الاستقلال والوحدة الإفريقية! عاش الكونغو المستقل السيادي!”
هذا الخطاب، الذي لم يكن مخططًا، كشف الجراح ورفض الرواية الاستعمارية، مما أغضب البلجيكيين والغربيين الذين رأوا في لومومبا تهديدًا لمصالحهم الاقتصادية في التعدين.

الاغتيال: تواطؤ دولي مدبر

الحلم كان أكبر من أن يُسمح له بالبقاء. الاستعمار لا يغادر حين تُرفع الرايات، بل حين تُقطع المصالح. سرعان ما انفصل إقليما كاتانغا وكاساي بدعم بلجيكي، وتآمر الداخل مع الخارج. في سبتمبر 1960، أطاح الرئيس كاسافوبو بلومومبا، بدعم من الغرب، ثم انقلاب موبوتو. اعتقل لومومبا، تعرض للتعذيب، ثم نقل إلى كاتانغا.
في 17 يناير 1961، أُعدم رميًا بالرصاص أمام مرتزقة بلجيكيين، ثم أُذيب جسده في حمض الكبريتيك لإخفاء الأثر. لم يكن الأمر محليًا فقط: اعترفت لجنة برلمانية بلجيكية عام 2001 بـ”المسؤولية الأخلاقية” للحكومة البلجيكية، التي قدمت دعمًا لوجستيًا وعسكريًا. كما كشفت وثائق الـCIA أن الرئيس أيزنهاور أمر باغتياله خوفًا من “شيوعيته” المزعومة، رغم أنه كان قوميًا محايدًا. خططت الـCIA لتسميمه، لكن التنفيذ كان بلجيكيًا-كاتانغيًا بدعم أمريكي، مع صمت الأمم المتحدة.

الوقفة الأخلاقية: رفض النسيان

ظنّوا أن إخفاء الجثة يقتل الفكرة. لكنهم أخطأوا.
منذ ذلك اليوم، هناك من لم يجلس. ميشيل كوكا مبولادينغا، وغيره من الكونغوليين، يقفون تذكيرًا بأن الكونغو لم تُنصف بعد. الاستعمار الجديد يستمر في استغلال المعادن، والنزاعات تستمر، لكن الذاكرة حية.
ذلك المشجّع ليس فردًا معزولًا، بل امتدادٌ لجسدٍ جماعي مكسور يرفض النسيان. هو لا يقف احترامًا للمباراة، بل حدادًا مفتوحًا على جرائم لم تُحاسب، وعار يلاحق أوروبا والغرب. يقف لأن إفريقيا ما زالت تُقرأ من هوامش التاريخ، ولأن بعض الجرائم تظلّ شاهدة على وحشية “التمدين”.
وحين يسأله الناس: لماذا لا تجلس؟
فالجواب واضح وقاسٍ:
لأن بعض الوقفات ليست جسدية… بل أخلاقية.
ولأن هناك قتلى، إن جلسنا، كأننا وافقنا على نسيانهم.