هل تتحقق الديموقراطية بالقوة العسكرية؟


توفيق أبو شومر
2026 / 1 / 6 - 20:47     

كل الذين لم يقرؤوا التاريخ سيعيشون مُضللينَ، يكررون الأخطاءَ نفسَها مراتٍ عديدة! إن الجيش الأمريكي نفَّذ بأمرٍ شخصي من الرئيس، ترامب اعتقال الرئيس الفينزويلي، نيكولاس مادورو يوم الثالث من شهر يناير 2026م من مقر إقامته في فنزويلا، رُحِّل المخطوف إلى أمريكا لمحاكمته بتهمة تهريب المخدرات من فنزويلا إلى أمريكا، على الرغم من أنَّ، مادورو قد انتخب ديموقراطيا من جمهوره الفنزويلي بنسبة تسعين في المائة!
كما أن، ترامب أنسى العالمَ قصة السبب الرئيس لإزاحة، مادورو من الحكم، فقد غض الطرف عن امتلاك فنزويلا خُمس إنتاج العالم من النفط، ولم يُصرح بأن، مادورو انضمَّ إلى محور روسيا والصين، وأنه يسعى لاستعادة إقليم، أيسيكويبو من دولة، غويانا.
إن فخر معظم رؤساء أمريكا ظل يُطبق وفق مبدأ؛ لا تتحقق الديموقراطية إلا بالقوة العسكرية، سيظل هذا الشعار شعارا مركزيا لمعظم رؤساء أمريكا، فالرئيس الأمريكي السابق، جورج بوش الابن أمر جنوده بغزو العراق عام 2003، وافتخر بقدراتهم العسكرية، لأنهم سيطهرون المنطقة من خطر إرهابي ساحق، فهم سينزعون السلاح النووي العراقي المزعوم، وهذا لن يتحقق إلا بتصفية الرئيس صدام حسين، ثم شاهد على شاشته الخاصة في البيت الأبيض طريقة إعدام صدام، قال في خطابه العسكري: "أمرتُ قواتنا العسكرية وقوات التحالف بضرب أهداف عسكرية عراقية تتمتع بأهمية لتقويض قدرة صدام حسين على شن الحرب، هذه هي مجرد المراحل الأولى لما ستؤول له الحملة الواسعة المركزة"!
أما الرئيس باراك أوباما فقد طبق المبدأ السابق نفسه وهو الديموقراطية بواسطة القوة العسكرية، شاهد، أوباما على شاشة التلفزيون الخاصة طريقة مداهمة مخبأ بن لادن في باكستان، ثم أشرف على اغتيال، بن لادن وإلقاء جثته في البحر.
كذلك فعل الرئيس، ترامب في عملية تصفية الجنرال الإيراني، سليماني، قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، شاهد، ترامب الواقعة مباشرة، على شاشته الخاصة وواظب على سرد تفاصيلها باعتزاز وفخر في فترة ولايته الأولى في الثالث من شهر يناير 2020م قال مفتخرا بنظرية تطبيق الديموقراطية بالقوة العسكرية: "إن حدث التصفية صوَّرتْه كاميراتنا على بعد كيلومترات في الجو، الشخصان المستهدفان لن يعيشا أكثر من دقيقتين وإحدى عشرة ثانية، كانا في السيارة المدرعة التي قُصفت، بقي لهما دقيقة لكي يموتا!"
ها هو الرئيس، ترامب نفسه يكمل تطبيق مبدأ، طغيان القوة هو الطريق الوحيد لتحقيق الديموقراطية، عندما اعتقلت قواتُ (دلتا) الأمريكية الرئيسَ الفنزويلي، نيكولاس مادورو، وهو أيضا اعتاد أن يسرد تفاصيل الحدث اعتزازا بجيشه وفخرا بمبدأ، غطرسة القوة!
إن كل قارئي التاريخ سيظلون مصرين على أن يقدموا الوجبات التاريخية المؤيدة للمثل القائل: "كُنب على كل الذين لم يقرؤوا التاريخ أن يعيدوه مرات عديدة"!
إن كل ما يجري من أحداثٍ يؤيد حكمة التاريخ السابقة، ولكن استخدام مبدأ طغيان القوة سبيلا لتحقيق الديموقراطية هو شعار معظم رؤساء أمريكا!
كمثال فقط على تلك النظرية فإن ما جرى من أحداث يوم العشرين من يناير عام 1989م في دولة بنما لا يختلف كثيرا عما جرى لفينزويلا، فقد وقع الرئيس الأمريكي، جورج بوش قرارا بغزو بنما واعتقال الرئيس البنامي، مانويل نورييغا، يوم 3 يناير 1990م، وقد جرى اتهامه بتهمة مادورو الحالية وهي الاتجار بالمخدرات لبيعها في أسواق أمريكا، واتهم رئيس بنما بالفساد، وغسيل الأموال، ووجهت له ثلاث تهم خطيرة، اعتقل الأمريكيون، نورييعا وحكم عليه بالسجن أربعين عاما، ثم رُحِّل إلى فرنسا لمحاكمته بتهمة الفساد!
وسوف أعيد ما فعلته أمريكا، باستخدام سلاح، تحقيق الديموقراطية بواسطة العصا الغليظة، عندما قادت أمريكا أبشع غزو فاشل في جزيرة كوبا عام 1961م لغرض قلب نظام كاسترو (الديكتاتور الشيوعي) لأن كوبا لا تبعُد عن مدينة فلوريدا الأمريكية إلا بمقدار 150 كم تقريبا!
سأظل أيضا أتذكر موقعة (خليج الخنازير) في كوبا وكانت التهمة هي أن رئيس كوبا الجديد، فيديل كاسترو شيوعي، وهي تهمة أطلقها الرئيس ترامب على، زهران ممداني، عمدة بلدية نيويورك الحالي!
أقدمت أمريكا باستخدام سلاحها الفتاك، وهو استخدام سلاح طغيان القوة لتحقيق الديموقراطية، أقدمتْ على تنظيم معارضي النظام الكوبي من الشباب الكوبيين ممن يتواجدون في أمريكا ودربتهم على السلاح ليتولوا هم الانقلاب على حكومة كاسترو! وفي عهد، جون كنيدي خليفة الرئيس، إيزنهاور صدرتْ الأوامر بغزو مقر إقامة الرئيس كاسترو، في خليج الخنازير بكوبا، أنزلت الطائرات حوالي 1400 جندي كوبي ليتولوا تلك المهمة عام 1961م، غير أن القوات المسلحة الكوبية تمكنت من هزيمة هذه القوات القادمة من أمريكا، سُميَتْ هذه العملية (خليج الخنازير) وصارت هذه العملية الفاشلة وصمة عار في جبين أمريكا!
لم يستفد مناصرو سياسة، الديموقراطية بواسطة القوة العسكرية من أحداث التاريخ، فقد كان سبب حرب فيتنام الطويلة يعود أيضا إلى منع انتشار الشيوعية في دول شرق آسيا، لم يستفد أنصار مذهب طغيان القوة من نتائج هذه الحرب الكارثية لتحقيق الديموقراطية، لم يستفيدوا من العبر المستقاة من هذه الحرب الفيتنامية الطويلة، وهي قد بدأت في منتصف خمسينيات القرن الماضي واستمرت حوالي عشرين عاما، خسر شعارُ، القوة هي الطريق الوحيد لتحقيق الديموقراطية، فعاليتَه في معارك التحرير الفيتنامية، مما أعاد الوحدة لشطري الفيتنام، الجنوبي والشمالي، وأدى إلى انسحاب الأمريكيين من فيتنام بهزيمة كبيرة!
ظل معظم رؤساء أمريكا خاضعين لشعار تحقيق الديموقراطية بالقوة العسكرية، وظنوا أنهم قادرون على تحقيقه مهما طال الزمن، وتمسكوا بشعارات من سبقوهم من رؤساء أمريكا، وعلى رأسهم، مبادئ الرئيس الأمريكي، جيمس مونرو، عام 1823م وهي تتلخص في شعار رئيس وهو: "تَعتبر أمريكا أن أية محاولة لإخضاع أية دولة غربية بقوة السلاح عملا عدوانيا، لا يجب تجاهله"!
حاول، ريتشارد نيكسون الرئيس الأمريكي، ومعه هنري كيسنجر مستشار الأمن القومي ووزير الخارجية بعد انتخابه عام 1969م أن يغيرا سياسة أمريكا المركزية السابقة بتطبيق مبدأ جديد، يتخلص في تحقيق السلام، ودفع الدول إلى أن تتولى مسؤولياتها بنفسها، وأن تدعم أمريكا حلفاءها بالسلاح والمال وتدافع عنها إذا تعرضت لهجوم نووي، وابتدع نيكسون وكيسنجر مشروعا اسمه، عالم جديد يعتمد على التعاون والتعايش المشترك، وكان مفروضا أن يتخلى رؤساء أمريكا عن شعار غطرسة القوة!
وعلى الرغم من هذا الشعار الجميل المُسالِم إلا أن الرئيس نيكسون عاد يلتزم بمبدأ سابقيه، مبدأ استخدام القوة، عندما أمر بقصف قواعد الشيوعيين في كمبوديا! هذا الرئيس المسالِم داحض سياسة طغيان القوة اضطر للاستقالة من منصبه عام 1974م، عقب فضيحة (ووترغيت) بسبب التجسس على الحزب الديموقراطي الأمريكي!
كما أن ما جرى بعد ذلك عام 1962م كاد أن يؤدي إلى حرب عالمية ثالثة، عندما أقدم الرئيس الروسي، خروتشوف أن يحمي كوبا من أمريكا، فأقام قاعدة عسكرية روسية ووضع فيها أسلحة نووية تكتيكية، مما أدى إلى قرب اشتعال حرب عالمية جديدة، ولكنَّ الرئيس، خروتشوف قرر سحب الأسلحة النووية من كوبا في نهاية المطاف، مما أدى إلى تحقيق السلام المؤقت!
ظللتُ مسكونا بأبشع جرائم التاريخ المتعلقة بترويج المخدرات، بجرائم شركة الهند الشرقية المملوكة لحكومات بريطانيا في بداية القرن التاسع عشر، 1942م وهم أجداد الرئيس الأمريكي الحالي، دونالد ترامب، سأعيد ما فعله أجداد الرئيس، ترامب في دولتي، الهند والصين، فقد كانت شركة الهند الشرقية، وهي الشركة الإنجليزية التي ترسم سياسة التجارة العالمية لبريطانيا تستخدم أرض الهند لزراعة مخدرات الأفيون، ثم تشحنها في السفن وتُجبر الصينيين على شرائها، انتقاما من الصينيين الأبرياء كان الصينيون تجارا أنقياء أصروا على أن تكون تجارتهم شريفة، فقد كانوا يصدرون الشاي والحرير والخراصين لبريطانيا، ولا يستوردون من بريطانيا بضائع بالقيمة نفسها أو بأكثر منها، مما أدَّى إلى تراكم ديون بريطانيا الواجب قضاؤها للصين! لذا قررت بريطانيا غزو الصين وتدمير الهند والصين معا عبر شركتها الرئيس، شركة الهند الشرقية، لذا أقدمت بريطانيا على بيع المخدرات في أسواق الصين بحيث جعلت ملايين الصينيين مدمنين على استهلاك المخدرات، ولأجل ذلك تمكنت بريطانيا من اقتطاع جزيرة، هونغ كونغ من الصين، لأن الصينين أغرقوا سفينة بريطانية محملة بالمخدرات في منتصف القرن التاسع عشر!