شيء من فلسفة الحقيقة!


ادم عربي
2026 / 1 / 6 - 11:48     

بقلم : د. ادم عربي
ما أكثر ما نردد كلمة "الحقيقة"، وما أقل ما نتفق على معناها.
العجيب أن حتى من يناصبون الحقيقة العداء، يسعون إليها بجد، ويبحثون عنها بإصرار، لا حبا بها، بل لأنهم يدركون قوتها. غير أن ما إن تصطدم الحقيقة بمصالحهم، حتى يتحول هذا السعي إلى إنكار، وتشويه، ومحاولات متعمدة لحجبها عن العيون والعقول. ولو قدر لمسألة رياضية بديهية أن تهدد منفعة ما، لرأيت أصحاب تلك المنفعة يعلنون الحرب عليها بلا تردد.

كلنا نزعم أننا نبحث عن الحقيقة، ونستهلك في سبيلها أعمارا من التفكير والجدل، لكننا نتجنب ، عن قصد أو عن عجز ، الإجابة عن السؤال الجوهري: ما الحقيقة؟
كأن تعريفها نفسه خاضع لموازين المصالح، يُشكل ويُعاد تشكيله وفق ما يخدم من يمتلك سلطة تعريفها.
لآينشتاين، مثلا، تجربة لافتة في مقاربة الحقيقة، حين قال  ساخراً  لا جادا  :

إن لم تتوافق النظرية الجديدة مع الواقع، فليُغير الواقع نفسه. هذا القول، على طرافته، يكشف نزعة أفلاطونية خالصة، فرض الفكرة على العالم بدل إخضاع الفكرة لاختبار العالم.
أما المنهج الموضوعي الحقيقي، فيسير في الاتجاه المعاكس، يُعدل النظرية، ويُعيد صياغتها، ويقومها حتى تنسجم مع الواقع. فكلما اقتربت الفكرة من الواقع الموضوعي، ارتفعت درجة صدقها، وزاد نصيبها من الحقيقة.
وهنا يظهر الفارق الجوهري بين من يقبل النظرية لأنها منسجمة مع الواقع، وبين من يرفض الواقع لأنه لا ينسجم مع فكرته المسبقة.
حتى تعريف آينشتاين للغباء ينطلق من هذا الفهم الواقعي للحقيقة؛ إذ اعتبر الغباء تكرار الفعل ذاته مع انتظار نتائج مختلفة. فالنتائج العملية لا تخضع للأوهام ولا للنوايا، بل تأتي وفق طبيعة الواقع نفسه، توافق التوقع إذا كان موضوعيا، وتنسفه إن كان ذاتياً  ومتخيلا.
والحقيقة، مهما بدا الوصول إليها شاقا، تظل في جوهرها بسيطة، بل أبسط مما نتصور عند بدء البحث عنها. ولهذا فرّق آينشتاين بين الأحمق والعبقري، فالأول يعقّد ما هو بسيط، أما الثاني فيجيد تبسيط ما يبدو معقداً .
ومن هنا يطرح السؤال الحاسم ، هل فهمت فعلاً  فكرتك أو فكرة ما؟

الإجابة، بحسب آينشتاين، واضحة وهي  إن لم تستطع شرحها لطفل في السادسة من عمره، فأنت لم تفهمها بعد.
اعتدنا أن نضع الخيال في مواجهة الحقيقة، وأن نقرن المعرفة والمنطق بها، لكن آينشتاين قلب هذه الثنائية رأساً على عقب. فقد رأى أن الخيال لا يقل أهمية عن المعرفة، بل يتقدمها أحياناً  . فالمنطق يقودك خطوة خطوة من البداية إلى النهاية، أما الخيال فيفتح أمامك كل الطرق الممكنة ويوصلك إلى أي مكان .

غير أن الخيال، مهما بلغ مداه، لا يكفي وحده. فالنظرية التي يولدها الخيال لا تكتسب شرعيتها إلا إذا صادقها الواقع. وهنا يعود المنطق ليحسم الأمر ، فالحقيقة هي كل فكرة تتطابق مع الواقع الموضوعي، ولا ميزان غير التجربة والممارسة لوزن الأفكار.
آينشتاين، الذي كان يتأرجح بوعي بين الذاتية والموضوعية، وصف علومنا ، المقاسة بالواقع ، بأنها بدائية وطفولية. لكنه سرعان ما عاد ليؤكد أن القوانين والنظريات كلما اقتربت من الواقع اهتزت وتزعزعت، وكلما ابتعدت عنه بدت أكثر ثباتاً  لكنها أفقر واقعياً .
الفكر بطبيعته ساكن، والواقع متحرك. الفكر رمادي مهما علا شأنه، أما الواقع فحيّ، أخضر، ومتجدد. لذلك تشبه النظرية صورة ثابتة لجسم متحرك ، كلما مر الزمن اتسعت الهوة بين الصورة والأصل.
وفي خلاصته الكبرى، يقرر آينشتاين أن الحقيقة لا تُعرف إلا بما يصمد أمام اختبار التجربة. لا الأفكار ولا النوايا ولا البلاغة تصنع حقيقة؛ وحدها الممارسة العملية تفعل ذلك. فما يثبت في الواقع ينتمي إلى عالم الحقائق، وما يفشل فيه يُطرح جانباً  مهما بدا أنيقاً  أو مقنعاً  نظرياً.
هذه لمحة من تجربة آينشتاين في فهم الحقيقة.

أما الحاكم العربي ، ومن يشبهه  فله تعريف آخر للحقيقة ، الحقيقة عنده هي ما يدور في رأسه في اللحظة الراهنة. لا وجود لها خارج وعيه الضيق، ولا يجوز مناقشتها أو الاعتراض عليها. وإياك أن تجادله بحقيقة بديهية ، كأن دمشق عاصمة سورية ، إذا قرر هو، بسلطته، أنها مدينة إيرانية!