الاختلافات الشعبية بوصفها نتاجًا لاختلاف أنماط الإنتاج دراسة في البنية المادية للصراع الاجتماعي ووهم الهوية


ليث الجادر
2026 / 1 / 5 - 13:28     

مقدمة: من سؤال الهوية إلى سؤال القاعدة المادية
تُختزل معظم الصراعات الداخلية في المجتمعات المعاصرة في خطابٍ ثقافويّ يردّ التباين بين الجماعات إلى اختلافات في “الهوية”، أو “الوعي”، أو “الطبع الشعبي”. ويُقدَّم هذا التفسير بوصفه بديهيًا، حتى أصبح الاختلاف الشعبي يُعامَل كمعطى سابق على التاريخ، لا كنتيجة له.
غير أن هذا المنظور يعاني من قصورٍ نظري جوهري، لأنه يعزل الظواهر الاجتماعية عن قاعدتها المادية، ويفصل البنية الرمزية عن شروط إنتاجها.
تنطلق هذه الدراسة من فرضية معاكسة:
الاختلافات الشعبية ليست أصل الصراع، بل أثرًا تاريخيًا لاختلاف أنماط الإنتاج وبُنى العمل.
وبذلك، فإن “الشعب” لا يُفهم بوصفه وحدة ثقافية أو وجدانية، بل بوصفه بناءً تاريخيًا تشكّله علاقات الإنتاج، لا الخطابات الرمزية.
ولا يُقصد باستخدام مفهوم نمط الإنتاج هنا حتميةً ميكانيكية، أو اختزال الصراع في الاقتصاد بمعناه الضيق، بل بوصفه المحدِّد البنيوي الأعمق الذي تعمل داخله الدولة، والعنف المنظّم، والهوية، بوصفها جميعًا عناصر تتمتع باستقلال نسبي، لكنها لا تعمل خارج حدود القاعدة المادية.
أولًا: نمط الإنتاج بوصفه مُنتِجًا للوعي لا تابعًا له
في المنهج المادي التاريخي، لا يُفهم نمط الإنتاج بوصفه تقنية اقتصادية فحسب، بل بوصفه مجمل العلاقات الاجتماعية التي تنظّم العمل، الملكية، توزيع الفائض، وأنماط العنف المشروع. ومن هذا المنظور، فإن الوعي الجمعي، والأخلاق، وأنماط التضامن، ليست مستقلة عن الاقتصاد، بل تتشكّل داخله.
غير أن هذا لا يعني أن الوعي انعكاس آلي مباشر للبنية الاقتصادية، بل هو نتاج وسائط متعددة: الدولة، الأيديولوجيا، والمؤسسات، التي تتمتع جميعها باستقلال نسبي، لكنها لا تستطيع، على المدى التاريخي الطويل، تجاوز الشروط التي يفرضها نمط الإنتاج السائد.
وعليه:
المجتمع الذي يتكوّن حول العمل المأجور والدولة المركزية ينتج وعيًا قانونيًا فرديًا، ضعيف الارتباط بالروابط القرابية.
المجتمع الذي يقوم على الريع، الحماية المسلحة، والتوزيع ما قبل الدولتي ينتج وعيًا عشائريًا، تُختزل فيه الجماعة في رابطة الدم والسلاح.
ليس الفرق هنا فرق “ثقافة”، بل فرق تنظيم اجتماعي للعمل والحياة.
ثانيًا: العشيرة كعلاقة إنتاج لا كظاهرة ثقافية
تُعامَل العشيرة، في الخطاب السائد، بوصفها بقايا تقليد أو انحرافًا عن الحداثة. غير أن هذا الفهم يُغفل وظيفتها المادية.
العشيرة ليست هوية رمزية فحسب، بل بنية إنتاج وحماية وتوزيع تظهر تاريخيًا حين تعجز الدولة عن أداء وظائفها الأساسية.
في المجتمعات التي:
لا تضمن الدولة فيها العمل،
ولا تحتكر العنف،
ولا تنظّم التوزيع الاجتماعي،
تتحول العشيرة إلى:
ربّ عمل بديل،
جهاز حماية،
ونظام ضمان اجتماعي موازٍ.
وبالتالي، فإن ضعف العشائرية في مجتمعٍ ما لا يدل على “تقدّم أخلاقي”، بل على تشكل الدولة بوصفها إطارًا ناظمًا للعمل لا بوصفها غنيمة سياسية.
ثالثًا: وهم “الشعب الواحد” في ظل انقسام إنتاجي
حين يُفرض كيان سياسي واحد على مجتمعين مختلفين تاريخيًا في نمط الإنتاج، فإن النتيجة ليست “شعبًا واحدًا”، بل ازدواجية بنيوية داخل المجتمع.
قد تتوحّد اللغة والدين والجغرافيا، لكن شروط العيش والعمل تبقى متناقضة.
وهنا تبرز الأطروحة المركزية للدراسة:
لا يمكن إنتاج شعب واحد فوق انقسام إنتاجي عميق، لأن الشعب ذاته هو نتاج نمط العمل.
الدولة، في هذه الحالة، لا تُنتج وحدة اجتماعية، بل تتحول إلى جهاز لإدارة التناقض:
إما عبر الانحياز إلى أحد النمطين، أو عبر قمع التوتر بالقوة. وفي الحالتين، لا يُحل الصراع، بل يُعاد إنتاجه بأشكال طائفية أو جهوية أو هوياتية.
ولا تدّعي هذه المقاربة تفسير التوقيت الدقيق للانفجارات السياسية أو العسكرية؛ فهذه غالبًا ما تُفجَّر بعوامل طارئة نسبيًا، كقرار سياسي أو حرب إقليمية. إلا أن قدرة هذه العوامل على التحول إلى صراع واسع تبقى رهينة البنية الإنتاجية السابقة عليها.
رابعًا: الهوية بوصفها نتيجة متأخرة لا سببًا
تُظهر التجارب التاريخية أن الهوية لا تسبق الاقتصاد، بل تتبلور بعده.
فالانقسام الهوياتي ليس أصل الصراع، بل تعبيره الرمزي.
العشائرية، في هذا السياق، ليست سببًا للأزمة، بل آلية دفاع اجتماعي عن نمط عيش مهدَّد.
وكذلك، فإن الخطاب “المدني” ليس بالضرورة تقدميًا، بل قد يكون تعبيرًا عن سيطرة نمط إنتاجي بعينه يسعى إلى تعميم نفسه بوصفه معيارًا أخلاقيًا.
وحين يعجز التحليل السياسي عن لمس هذا الجذر، تتحول الهوية إلى ستار أيديولوجي يبرّر الهيمنة أو الانفصال دون المساس بالبنية المنتِجة للأزمة.
خامسًا: نقد الدولة الوطنية ما بعد الاستعمار
تكشف هذه المقاربة حدود الدولة الوطنية التي نشأت بعد الاستعمار، والتي وحّدت الجغرافيا دون أن توحّد القاعدة المادية.
فكانت النتيجة دولًا بلا اقتصاد منتج، وبلا عقد اجتماعي، تعتمد الريع لتسكين التناقضات بدل حلّها.
ولا تُفهم الدولة هنا بوصفها انعكاسًا مباشرًا للبنية الاقتصادية، بل كجهاز يتمتع باستقلال نسبي، قادر أحيانًا على فرض مسارات سياسية لا تتطابق فورًا مع مصالح الطبقات. غير أن هذا الاستقلال يظل محدودًا، ولا يستطيع تجاوز القاعدة المادية على المدى التاريخي.
سادسًا: في مسألة الفاعل والتعميم
تركّز هذه الدراسة على التحليل البنيوي للصراع، ولا تقدّم تصورًا مكتملًا للفاعل السياسي القادر على تجاوزه. هذا الغياب ليس سهوًا، بل خيارًا منهجيًا، انطلاقًا من أن الفاعل التاريخي ذاته لا يتشكّل خارج تحوّل شروط العمل والإنتاج.
كما أن تعميم هذه الأطروحة لا يعني إسقاط التفاصيل المحلية، بل استخراج قانون اجتماعي عام، مع الإقرار بأن تطبيقه يتطلب مراعاة السياقات التاريخية المختلفة.
خاتمة: نحو إعادة تعريف السياسة
تصل هذه الدراسة إلى خلاصة حاسمة:
لا وحدة بلا وحدة نمط إنتاج،
ولا شعب بلا شروط عمل مشتركة،
ولا سياسة حقيقية دون تفكيك القاعدة المادية للصراع.
ولا يدعو هذا الطرح إلى تبرير الانقسام، ولا إلى الدفاع عن الوحدة بوصفها قيمة مجردة، بل إلى تفكيك الوهم المشترك بينهما حين يُطرحان خارج سؤال الإنتاج.
السياسة، في معناها الجذري، ليست إدارة الرموز والهويات، بل إعادة تنظيم العمل والحياة.
ومن دون ذلك، ستظل الهوية اسمًا آخر للهروب من السؤال الحقيقي:
من ينتج؟ كيف؟ ولصالح من؟