نمط الإنتاج بوصفه أصل القطيعة قراءة ماركسية في الانقسام الشعبي بين اليمن الجنوبي واليمن الشمالي


ليث الجادر
2026 / 1 / 4 - 17:52     

لم يكن الانقسام بين اليمن الجنوبي واليمن الشمالي حدثًا سياسيًا طارئًا، ولا نتيجة سوء إدارة لحظة الوحدة، ولا تعبيرًا عن “اختلاف ثقافي” بين سكان فضاء جغرافي واحد. إن كل هذه التفسيرات لا تتجاوز مستوى الوعي الزائف الذي يُخفي الجذر الحقيقي للصراع. فالانقسام اليمني، في جوهره، هو نتاج اختلاف الشروط المادية التي تشكّل فيها المجتمعان، أي اختلاف النمط الإنتاجي المهيمن، وما راكمه من علاقات اجتماعية وبنى شعبية متناقضة، تحوّلت مع الزمن إلى عقدة تاريخية فاصلة داخل المجتمع اليمني.
أولًا: نمط الإنتاج بوصفه المحدِّد البنيوي
لم يكن التمايز بين اليمن الجنوبي واليمن الشمالي ناتجًا عن اختلافات ثقافية أو هوياتية، بل عن اختلاف النمط الإنتاجي المهيمن داخل كل شطر، وما رتّبه هذا الاختلاف من علاقات اجتماعية متباينة. فاليمن، قبل الوحدة وبعدها، لم يكن فضاءً ذا نمط إنتاج واحد، بل تشكيلة اجتماعية مركّبة تتجاور داخلها أنماط متعددة؛ غير أن الجنوب خضع تاريخيًا لهيمنة نمط إنتاج دولتي–مأجور عمل على تفكيك علاقات الإنتاج ما قبل الرأسمالية وتحييد البنية العشائرية، بينما خضع الشمال لهيمنة نمط إنتاج زراعي–عشائري، جعل من القبيلة وحدة إنتاج وحماية وتوزيع للفائض في ظل غياب دولة حديثة.
هذا التفاوت في النمط الإنتاجي المهيمن لم يبقَ محصورًا في الاقتصاد، بل أعاد إنتاج البنية الشعبية ذاتها: في الجنوب تشكّل وعي اجتماعي فرداني نسبيًا، مرتبط بالدولة والقانون والعمل المأجور، وفي الشمال تشكّل وعي جماعي عشائري يسبق الوعي الطبقي ويعطّل تشكّله. وعليه، فإن الصدام الذي رافق الوحدة لم يكن صدام نظامين سياسيين، بل تصادم بنيتين اجتماعيتين أُنتجتا تاريخيًا داخل علاقات إنتاج متناقضة.
ثانيًا: الجنوب – تفكيك العشيرة عبر الدولة والعمل المأجور
في الجنوب، ولا سيما في عدن والمناطق الساحلية، لم يكن التحول الاجتماعي نابعًا من “تحديث ثقافي”، بل من تحول مادي في شكل العمل وتنظيمه. الميناء، الوظيفة، القطاع العام، والتعليم النظامي، كلها عناصر أعادت إنتاج الفرد بوصفه وحدة اقتصادية–قانونية مستقلة نسبيًا عن الجماعة التقليدية.
حتى حين كانت الدولة سلطوية، فإنها أدّت وظيفة تاريخية مركزية: تحييد العشيرة كنمط إنتاج. لم تعد القبيلة ضرورة للبقاء، لا في العمل ولا في الحماية ولا في التوزيع. وهكذا تراجعت العصبية لا بوصفها خيارًا أخلاقيًا، بل لأنها فقدت وظيفتها الاقتصادية.
هذا المسار أنتج بنية شعبية جنوبية:
ضعيفة العشائرية
عالية الاعتماد على الدولة
حسّاسة تجاه انهيار النظام والمؤسسة
ترى الفوضى بوصفها انحلالًا لا “حالة طبيعية”
ثالثًا: الشمال – العشيرة كنمط إنتاج لا كهوية
في الشمال، لم تكن العشيرة بقايا ماضٍ، بل حاضرًا اقتصاديًا حيًا. الأرض، السلاح، العمل، والحماية جميعها كانت تُدار داخل الجماعة. في ظل شح الموارد وغياب دولة حديثة، لم يكن بالإمكان تشكّل سوق عمل مأجور واسع، ولا تراكم فائض يسمح بتكوين مؤسسات مستقلة عن الجماعة.
هنا، لم تتكوّن الطبقات وفق الانقسام الرأسمالي الكلاسيكي، بل ظل الانقسام الأساسي هو داخل العشيرة وبين العشائر، ما عطّل تشكّل وعي طبقي حديث، وأبقى العنف جزءًا بنيويًا من تنظيم الاقتصاد.
النتيجة كانت بنية شعبية شمالية:
عالية العشائرية
منخفضة الاعتماد على الدولة
قادرة على التكيّف مع الاضطراب
ترى السلطة بوصفها غنيمة لا مؤسسة عامة
رابعًا: من اختلاف الاقتصاد إلى اختلاف الشعبين
مع مرور الزمن، لم يعد الاختلاف بين الشمال والجنوب اختلافًا في “أنماط العيش”، بل في تكوين الشعب نفسه.
الجنوب أنتج شعبًا تشكّل خارج منطق العصبية،
والشمال أنتج شعبًا تشكّل داخلها.
وهنا تكمن النقطة الحاسمة:
حين يلتقي شعبان أُنتجا تاريخيًا داخل علاقات إنتاج متناقضة، فإن التناقض لا يكون سياسيًا فقط، بل وجوديًا. كل طرف يرى في الآخر تهديدًا لبنيته الخاصة:
الجنوبي يرى في العشيرة نقيض الدولة والنظام
الشمالي يرى في ضعف العصبية هشاشة وجودية
خامسًا: الوحدة كفعل إخضاع طبقي
لم تكن وحدة 1990 عملية دمج بين نمطين إنتاجيين، بل عملية إخضاع لنمط إنتاج مهيمن. جرى تفكيك مؤسسات الجنوب لا لتحرير السوق، بل لإدماجه في اقتصاد ريعي–عشائري–عسكري. تحوّلت الأراضي والموانئ والوظائف إلى غنائم طبقية بيد تحالف السلطة والسلاح.
من منظور ماركسي، ما حدث هو:
انتقال قسري من نمط إنتاج أكثر تنظيمًا إلى نمط أقل تطورًا،
أي ارتداد تاريخي لا تقدم وحدوي.
سادسًا: خطاب الوحدة والوعي الزائف
أمام هذا التناقض المادي، كان لا بد من إنتاج خطاب أيديولوجي يغطيه. فجاء خطاب “الوحدة الأبدية” بوصفه أداة لإخفاء الصراع الطبقي–الإنتاجي، وتحويله إلى مسألة أخلاقية أو وطنية.
طُلب من شعبين مختلفين بنيويًا أن يتصرّفا كأنهما شعب واحد، دون إعادة بناء شروط الإنتاج والعمل والدولة.
وهكذا تحوّلت الوحدة من مشروع تاريخي محتمل إلى آلية قمع اجتماعي.
خاتمة: ما بعد الوحدة بوصفها سؤالًا طبقيًا
لم تعد “الوحدة اليمنية” مسألة وطنية أو عاطفية، بل أصبحت مسألة طبقية–إنتاجية صِرفة. فالوحدة التي لا تعيد بناء نمط الإنتاج، ولا توحّد شروط العمل، ولا تفكك البنى العشائرية بوصفها علاقات إنتاج، ليست وحدة، بل صيغة هيمنة. إن الإصرار على استمرارها بالشكل القائم ليس دفاعًا عن الوطن، بل دفاع عن تحالف الريع والسلاح والعشيرة.
من هنا، فإن أي خطاب سياسي يطالب الجنوبيين بالانخراط في وحدة لم تعترف أصلًا بنمط إنتاجهم، ولا بالوعي الذي أنتجه، هو خطاب قمعي مهما تلحف بالشعارات الوطنية. وبالمقابل، فإن أي مشروع انفصالي لا يطرح بديلًا إنتاجيًا حديثًا، ولا يفكك بدوره علاقات ما قبل الدولة، لن يكون إلا إعادة إنتاج للأزمة بصيغة جغرافية أخرى.
الرهان الحقيقي ليس على الخرائط، بل على القاعدة المادية. فإما مشروع سياسي يعيد بناء اقتصاد منتج، ويفرض الدولة على الجميع بوصفها شرطًا للعمل لا غنيمة، ويُخضع العشيرة للقانون لا العكس، وإما استمرار الصراع بوصفه قدرًا مفتوحًا. لا وحدة بلا تغيير جذري في نمط الإنتاج، ولا استقرار بلا كسر التحالف الطبقي القائم.
بهذا المعنى، فإن السؤال لم يعد: هل ستبقى اليمن موحّدة؟
بل: من يملك الجرأة على كسر نمط الإنتاج الذي يمنع اليمن من أن تكون مجتمعًا واحدًا؟