الشباب والعمل الهش في العالم- وثيقة دراسة استراتيجية نقابية


جهاد عقل
2026 / 1 / 4 - 16:54     

مقدمة:
عندما قرأت التقرير الصحفي عن موضوع تنظيم الشباب في النقابات بتركيا وغيره من المواد المتعلقة بهذا الموضوع ، اي الشباب الذين يعملون ضمن ما يعرف ب "العمل الهش" ، غير المنظم ، عادت بي الذاكرة الى مرحلة هامة من نشاطي النقابي المهني ، عندما قمت مع زملاء شباب بالعمل على تنظيم العمال الشباب الذين يعملون في شركات ترفض التنظيم النقابي ، يومها قيل لي من قبل البعض أنك لن تنجح بهذه المهمة ، لكن بالإصرار وترسيخ مفاهيم أهمية التنظيم النقابي لدى مجموعة من الشباب دفعت الى تحقيق النجاح في هذا المجال ، مثل الشباب العامل ببعض شركات الخدمات الإلكترونية وغيرها .
لذلك قررت أن أضع هذه الدراسة بين أيديكم علّي أنجح بوضع مسار تنظيمي نقابي أساسي يؤدي في النهاية الى تنظيم تلك المجموعة من الشباب ممن يتعرضون للإستغلال في مهن توافق الخبراء الإطلاق عليها "العمل الهش". يأتي هذا المقال إستكمالاً لمقال سابق خصصته للوضع في تركيا.

أولاً: الغاية من الوثيقة

تهدف هذه الدراسة إلى:
توفير تشخيص استراتيجي لأزمة الشباب والعمل الهش عالمياً
تحليل الحالة التركية كنموذج مكثّف لاتجاهات عالمية
استخلاص دروس نقابية عملية
اقتراح محاور تدخل وتنظيم قابلة للتكييف وطنياً وإقليمياً
تعتمد الوثيقة على تقرير صحفي ميداني أعدّته الصحفية مارغا ثامبرانا (14 آب/أغسطس 2025)، وعلى معطيات وتقارير صادرة عن الاتحاد الدولي للنقابات و**اتحاد النقابات التركي التقدمي (DİSK)**، وأُعيد تحليلها من منظور استراتيجي نقابي.

ثانياً: السياق العالمي – لماذا أصبحت الهشاشة قضية مركزية؟
1. تحوّل بنيوي في سوق العمل
لم يعد العمل الهش ظاهرة مؤقتة أو قطاعية، بل أصبح:
أداة لإعادة هيكلة سوق العمل
وسيلة لخفض كلفة العمل وتفكيك الحقوق
مدخلاً لإضعاف التنظيم الجماعي
الشباب هم الفئة الأكثر تضرراً، والأكثر انكشافاً على:
البطالة طويلة الأمد
العمل غير المسجَّل
المنصات الرقمية والعمل “المستقل” الصوري

2. أثر ذلك على العمل النقابي
هذا التحول أنتج:
فجوة متزايدة بين النقابات والواقع الفعلي للعمل
تراجع الثقة النقابية لدى الشباب
صعود أشكال تنظيم موازية وغير رسمية
التحدي الاستراتيجي:
إما أن تتكيف النقابات مع هذا الواقع، أو تفقد قدرتها التمثيلية لدى جيل كامل.

ثالثاً: الحالة التركية – نموذج إنذار مبكر
1. تشخيص الأزمة
تكشف الحالة التركية تراكب ثلاث أزمات:
أزمة تشغيل شبابي حادة (بطالة فعلية مرتفعة، NEET، عمل غير مسجَّل)
أزمة حقوق وتنظيم (تجريم التنظيم، قيود قانونية، قمع مباشر)
أزمة تمثيل نقابي (ضعف التنظيم، فجوة ثقة، إقصاء قانوني للعمّال الهشّين)

2. العمل المستقل الصوري كأداة تفكيك
يوضح نموذج عمّال التوصيل أن:
“الاستقلال” يُستخدم لنزع صفة العامل
الحقوق تُحمَّل للفرد
المخاطر تُخصخص
الشركات تُعفى من المسؤولية
النتيجة: قوة عمل شابة واسعة بلا حماية ولا صوت جماعي.

3. القمع كإدارة لسوق العمل
في السياق التركي، لا يُستخدم القمع فقط ضد السياسة، بل ضد:
التنظيم العمالي
الإضراب
التضامن الجماعي
لكن المفارقة الاستراتيجية هي أن القمع لا يوقف التعبئة، بل:
يدفعها إلى أشكال بديلة
يعمّق الوعي الجماعي لدى الشباب
يخلق تنظيماً خارج الإطار القانوني

رابعاً: دلالات نقابية استراتيجية
1. عزوف الشباب ، "رفض التنظيم"
تُظهر الدراسة أن:
الشباب لا يرفضون التنظيم
بل يرفضون أشكال تنظيم لا تمثل واقعهم
وهذا يتطلب مراجعة جذرية في:
الخطاب
الأدوات
الهياكل
الأولويات

2. الهشاشة ليست عائقاً للتنظيم

على العكس، الهشاشة:
توحّد التجربة
تخلق شعوراً جماعياً بالظلم
يمكن أن تتحول إلى قاعدة تعبئة إذا وُجد الإطار المناسب

خامساً: محاور استراتيجية مقترحة للنقابات

* المحور الأول: توسيع مفهوم العضوية
تطوير صيغ عضوية تشمل:
العمّال المستقلين شكلياً
عمّال المنصات
العمّال غير المسجَّلين
الفصل بين الاعتراف القانوني والتمثيل الفعلي

* المحور الثاني: التنظيم خارج مكان العمل التقليدي
التنظيم عبر:
الأحياء
القطاعات
المنصات الرقمية
دعم التنسيقيات والشبكات القاعدية بدل محاربتها

* المحور الثالث: خطاب شبابي جديد
ربط العمل بقضايا:
الكرامة
الصحة النفسية
المستقبل
العدالة الاجتماعية
تجاوز اللغة التقنية–البيروقراطية

* المحور الرابع: حماية النشطاء
تطوير آليات:
تضامن قانوني
حماية من الفصل
دعم إعلامي
اعتبار القمع قضية نقابية مركزية لا هامشية

* المحور الخامس: دور النساء والشباب
الاستثمار في:
قيادات شابة
تنظيم نسوي نقابي
اعتبار النساء في القطاعات الهشة رافعة تجديد لا فئة ثانوية

* المحور السادس : استنتاجات استراتيجية
أزمة الشباب والعمل الهش ليست مؤقتة
الأدوات النقابية التقليدية غير كافية
التنظيم البديل ليس تهديداً، بل فرصة للتجديد
القمع لا يلغي الصراع، بل يغير شكله
النقابات التي لا تتغير، ستُتجاوز

اقتراحات تنفيذية
تُظهر هذه الدراسة أن مستقبل العمل النقابي سيتحدد بقدرته على:
فهم التحولات العميقة في العمل
الانفتاح على أشكال تنظيم جديدة
إعادة بناء الثقة مع جيل بلا ضمانات.