قراءة في بعض محاور كتاب نحن والدين ( الشيوعية وحرية الأديان ) للكاتب علي عباس خفيف
سندس عدي
2026 / 1 / 4 - 15:42
صدر هذا الكتاب سنة 2016 عن دار وراقون للنشر والتوزيع ويحتوي على 7 محاور ولقد أشار الأستاذ علي عباس في لقائي معه بأن الكتاب يفتقر لـ 13 محاور اخرى لم تسعَ الظروف لمُشاطرتُها ويُحاول علي عباس في هذا الكتاب من ازالة الغطاء الزائف عن الحقائق الشيوعية التي سعت الرأسمالية بتشويهها بادئاً من النظرة المغلوطة حول محاربة الشيوعيين للدين مُبيناً ان الشيوعيين يوجهون نقدهم الكبير للمؤسسات الدينية لا الدين نفسه كونها لم تنتج إلا مظاهر التخلف ومحاولة تكريس الفساد ولم تعمل إلا على صيانة مصالح السلطة والبرجوازيين مما يعزز ذلك من الفجوة الطبقية في المجتمعات والتي كانت المشروع الأساسي لماركس في القضاء عليها عبر تطبيق ( النظرية الماركسية ).
ولقد ذكر علي عباس ما قاله الدكتور علي شريعتي في كتابه ( التشيع العلوي والتشيع الصفوي ) :
( لا يوجد كلام حول حقوق شعب في نفطه بينما يكثر الحديث عن حقوق السيد على عبده ! الفقه الأسلامي ليس له حضور في مجال الدراسات حول الرأسمالية والبرجوازية والأقتصاد الأستعماري والعلاقات الطبقية وحقوق العامل والمستثمر والفلاح وصاحب لأرض والمنتج والمستهلك وفوائد رؤوس الأموال وغير ذلك بينما نجد مئات النظريات والبحوث الفقهية الدقيقة حول مسائل غير عملية حول مسألة الدية عن عبد مات لوقوع صخرة على رأسه اشترك في ملكيته سيدان ) .
وفي الحقيقة ان هذا الأمر ووفقاً للتحليل الديالكتيكي فهو يعكس البُنية الرأسمالية في المُجتمعات التي ساعدت على تكريس الوعي الزائف والتي بدور المثقف العضوي كشفها ونقدها ومحاولة تصحيحها من خلال تطبيق المادية الديالكتيكية .
ويذكر علي عباس في محور مناهج النقد وأبوابه المتنوعة مفهوم العلمانية مُبيناً ان الشيوعيين ليس من دُعاة العلمانية بل ان مشروعهم الأشتراكي والشيوعي يدعم العلمانية بما انها تعمل على فصل الدين عن الدولة، مِما ورد لي سؤالٍ عن هذا النص:
“ لمَ الشيوعيين ليسو من دُعاة العلمانية بل من داعميها فقط ؟ “
وذلك ببساطة لأن العلمانية بمفهومها هي فكرة او موقف وليست مشروع قائم على وحدة النظرية والمُمارسة كالنظرية الماركسية ( المادية الديالكتيكية ) ولذلك فأن العلمانية وحدها لن تكون قادرة على تحرير الشعوب من القهر والأستغلال وما شابه ذلك من أزمات اقتصادية واجتماعية وثقافية.
وكما يُشاع عنها بأنها ( نظام ) يمكن الأعتماد عليه بل ان وجودها في ظل غياب الماركسية سيكون بمثابة إدارة الإزمة لا حلها.
ولقد ذكر علي عباس في محور الماركسية والدين:
( ان نقد الماركسية للدين يتسم بأنه اكثر عُمقاً وجذرية وفي الوقت ذاته أكثر تفهماً وتسامحاً من النقد التنويري ).
وفي واقع هذا الأمر فأنه يتسم بالجذريه لأعتماده التام على الجدلية الماركسية المحتوية على المادية الديالكتيكية وطريقتُها في تفسير الظواهر والمُتغيرات على العكس تماماً من الفلسفة التنويرية ( المثالية ) والتي هي ليست إلا فلسفة ذُهانية غوغائية عمل على دحضها مُعلما الماركسية ماركس وانجلز في كتاباتهم.
وخيّر مثال على نقد الفلسفة المثالية لمفهوم الدين ( المثالي ) ايضاً مِما يُشكل ذلك تناقض كبير عند الطوباويون هو نقد كُل من دنيس ديدرو ديفيد هيوم وغيرهم الكثير .
اما عن المعركة الأساسية لفولتير والتي تُعنى ( بمُحاربة الوحش الضاري ) فكانت سهام نقده الأساسية موجهة ضد مظاهر التخلف التي تُنتِجها الكنيسة الكاثوليكية والسلوكيات البعيدة عن التحضُر والمبنية على الأستغلال وتشويه الحقائق وما شابه ذلك.
ان الفرق بين فلسفة التنويريين المثالية وفلسفة الماديين ( الماركسية ) المبتدئة بكارل ماركس وفريدريك انجلز هي ليست فقط الأعتماد على النظرية العلمية ( الديالكتيك ) في تفسير الخواص والظواهر بل محاولة تغيير الواقع من خلال تطبيق نظرية ( المادية التاريخية ) للأمور بدلاً من الأشادة فقط إلى النظرية.
وقد ذكر الكسندر كواريه في كتابه ( ثلاثة دروس في ديكارت ) ان:
( اجريبيا في سنة 1537 بعد ان استعرض جميع العلوم اعلن الشك فيها واما سانشر بعد ان نقد قوتنا الفكرية كرر الحكم نفسه سنة 1562 بأننا لا نعلم شيئاً وتشدد فقال “ إننا لا نستطيع ان نعلم شيئاً لا العالم ولا انفسنا “ واخيراً مونتاني يطفح الكيل فيقول “ الأنسان لا يعلم شيئاً لأن الإنسان لا شيء “ ).
وأما ماركس فكان لهُ رأياً مُتبايناً:
“ إن الفلاسفة لم يفسروا العالم إلا بطرق مختلفة، ولكن المهم هو تغييره . “
فعمد معلما الماركسية ماركس وانجلز على تغييره بطرح “ الشيوعية “.
ولقد ذكر علي عباس ايضاً في هذا المحور “ الطابع المزدوج للظاهرة الدينية “ موضحاً في ما بعد بنشوء الطبقية المسيحية مُشيراً بالتعريف عن المسيحية البدائية التي دعاها ماركس بـ “ ديانة الفقراء “.
مِما تطرق علي عباس ايضاً إلى قول انجلز في:
( ان النزاع بين المادية والدين لا يتطابق دائماً مع الصراع بين الثورة والرجعية ).
وفي محور الحرب على الدين صفحة 27 وضح الأستاذ علي عباس خُرافة حرب الشيوعيين على الدين مؤكداً كلامه بأدلة كمُهاجمة كارل ماركس الشباب الهيغليين الذين وضعو الدين في خانة العداء مؤكداً ان هذا العداء المغلوط سيخفي العدو الحقيقي الذي هو “ العدو الطبقي “.
ورفض كارل ماركس ما طرحه ميخائيل باكونين في رسالته بضرورة ضم الأُممية الشيوعية العمال المُلحدين فقط مؤكداً انه يقبل بالعمال الشيوعيين بغض النظر عن موقفهم من الدين سواء كانوا مُلحدين ام غير مُلحدين.
ومطالبته الفلاسفة ومنظمة العمال الأممية بتحويل نقد السماء إلى الأرض ونقد الدين إلى نقد الدولة والقانون ونقد اللاهوت إلى نقد السياسة.
وقد أشار علي عباس ايضاً إلى دور لينين في استبعاد الألحاد من برنامج الحزب والتصريح بقبول مشاركة رجال الدين في الحزب، ويقول لينين في ما يخص قبول رجال الدين في الحزب:
“ ان التناقُضات بين برنامجنا ومعتقدات رجُل الدين مُتعلقه به شخصياً وهو تناقض شخصي “ .
ولو نظرنا إلى التاريخ والى واقعنا اليوم سنرى المُجتمعات حاملة فكرة بُغض الشيوعيين للدين ومن دون الأعتماد على بيان علمي ومنطقي !
وفي الحقيقة ما أُلاحظهُ في الأفكار الخاطئة المأخوذة عن الشيوعية هو ان هذهِ الأفكار فيها تراكب وتجانُس ما بين النظرية الديالكتيكية لمفهوم المادة ونشأتُها العلمية وما بين كذبة بغض الشيوعيين للدين.
مُشيرين إلى حرب الشيوعيين ضد المُتدينيين في التاريخ مُتغاضين عن فكرة الأسلام السياسي الراعي الكبير لمفهوم الأمبريالية وداعمها الأساسي وسماسرة رجال الدين للبرجوازية ومقت مفهوم التحرر الوطني بعيداً عن فكرة الأديان وأعتناقها.
وابسط مثال على ذلك هو المرجع الديني ( السيد محسن الحكيم ).
ومُتغاضين ايضاً عن السعي المُستديم للرأسمالية في تشويه الشيوعية وتغويش حقائقها من خلال اعتمادها الكبير على البروباغندا والذي بلا شك قد لعب دوراً كبيراً في أدلجة المُجتمعات.
فما نُلاحظه في واقع الحال هو التحليل الخاطئ الذي يقوم على دمج فكرة الدين بالمُتدينيين ومقت النظرية الشيوعية لا من مفاهيمها الماركسية الديالكتيكية بل من تطبيقها الذي قام على كبح جماح سماسرة الأسلام السياسي الهادف بتوسيع دائرة الهيمنة الرأسمالية والأمبريالية في سبيل مصالحهم الفردية او جهلهم الذاتي المُتفشي.
فيغضون النظر عن محاربة الشيوعية لأداة الرأسمالية كرجال الدين السياسيين لا محاربتهم للدين ذاته !