ترامب و«المتظاهرون السنّة»: كيف يتحول خطاب الحماية إلى أداة لضبط الاحتجاج الإيراني؟


ليث الجادر
2026 / 1 / 3 - 00:50     

لا تُقاس خطورة التصريحات السياسية بما تعلنه صراحة، بل بما تُضمِره من دلالات، وبالوظيفة التي تؤديها داخل السياق الذي تصدر فيه. من هذا المنظور، لا يمكن التعامل مع تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترامب القائل إن الولايات المتحدة «ستتدخل إذا ما أطلقت أجهزة الأمن الإيرانية النار على المتظاهرين السنّة» بوصفه تهديدًا مباشرًا للنظام الإيراني، بقدر ما ينبغي قراءته كرسالة محسوبة تُوجَّه إلى الداخل الإيراني، وتؤدي عمليًا دورًا في إعادة ضبط الحراك الجماهيري لا في حمايته.
فترامب لم يقل «المتظاهرين الإيرانيين»، ولم يستخدم توصيفًا جامعًا للحراك بوصفه حركة احتجاج اجتماعي عابرة للهويات، بل لجأ إلى توصيف هوياتي ضيق يُخرج جزءًا من المحتجين من الإطار الوطني العام، ويعيد إدراجهم ضمن خانة طائفية محددة. هذه الصياغة ليست تفصيلًا لغويًا عابرًا، بل مفتاح لفهم الوظيفة السياسية للتصريح، وما يحمله من أثر عملي يتجاوز نواياه المعلنة.
في لحظة تشهد فيها إيران احتجاجات ذات طابع معيشي–طبقي واضح، ناتجة عن تدهور مستويات العيش، وتآكل القدرة الشرائية، واتساع الفجوة الاجتماعية، يأتي هذا الخطاب ليُعيد تأطير الغضب الشعبي لا بوصفه أزمة بنيوية في الاقتصاد السياسي الإيراني، بل كتوتر قابل للتفسير الطائفي. وبهذا المعنى، فإن التصريح لا يدعم الحراك، بل يعمل على تفتيته رمزيًا قبل أن يُفتَّت ميدانيًا.
إن الإشارة إلى «المتظاهرين السنّة» تحمل رسالة مزدوجة. فمن جهة، تُقدَّم ظاهريًا كتحذير موجَّه إلى النظام من مغبة القمع، لكنها من جهة أخرى تُرسل إشارة ضمنية إلى بقية المجتمع الإيراني بأن هذا الحراك قابل للاشتباه، ومُعرَّض للتأويل بوصفه حراكًا فئويًا أو جزئيًا، لا تعبيرًا عامًا عن أزمة وطنية شاملة. وهنا، تتحول لغة «الحماية» إلى أداة تشكيك داخلي، ويتحوّل التهديد الخارجي إلى عنصر يخدم السلطة بدل أن يقيّدها.
فالنظام الإيراني، الذي دأب على تصوير الاحتجاجات الاجتماعية بوصفها مؤامرات خارجية أو حركات انفصالية أو اضطرابات هوياتية، يجد في هذا التصريح مادة جاهزة لإعادة إنتاج سرديته الأمنية. وبدل أن يُحرج الخطاب الأميركي السلطة، فإنه يخفف عنها عبء مواجهة حركة احتجاج وطنية جامعة، ويمكّنها من إعادة فرز المتظاهرين، وإعادة تعريف الصراع على أسس غير اجتماعية وغير طبقية.
الأخطر من ذلك أن هذا الخطاب يسهم في تفكيك التضامن الطبقي العابر للهويات، وهو الشرط الأكثر تهديدًا لأي سلطة في لحظات الأزمات البنيوية. فحين يُدفع المحتجون إلى قراءة أنفسهم من خلال انتماءاتهم الطائفية أو الإثنية، يتراجع البعد الاجتماعي للصراع، وتُستبدل لغة الحقوق بلغة الهويات، وهي أرضية تجيد الأنظمة السلطوية التحرك فوقها.
من هنا، لا يبدو تصريح ترامب تعبيرًا عن رغبة في حماية المتظاهرين بقدر ما يبدو محاولة لتطويع الحراك واحتوائه رمزيًا. إنه خطاب لا يوفّر غطاءً للاحتجاج، بل يعيد توزيع المحتجين داخل خريطة انقسام تجعل تعميم قضيتهم أصعب، وتسهّل عزلهم أو تشويههم أو قمعهم لاحقًا. وبهذا المعنى، فإن الرسالة – بصيغتها هذه – لا تُقرأ كنصرة للحراك، بل كأداء سياسي يخدم استمرارية النظام عبر إضعاف خصمه الحقيقي: الجماهير حين تتوحد خارج القوالب الهوياتية.
مرةً أخرى، يقدّم دونالد ترامب، من خلال هذا الخطاب بالذات، مؤشرات موضوعية لا يمكن القفز عليها. فتصريح يُفكك الحراك الاحتجاجي على أساس هوياتي، ويمنح السلطة أدوات جاهزة لإعادة تأطيره أمنيًا، لا يمكن اعتباره تهديدًا للنظام الإيراني مهما حمل من لغة تحذيرية ظاهرية. وعلى العكس، فإن أثره السياسي العملي يصبّ في خدمة النظام عبر إضعاف حركة احتجاج اجتماعية خرجت أساسًا من رحم التدهور المعيشي والاختلال الطبقي.
وفي هذا السياق، لا يترك هذا الأداء سوى احتمالين لا ثالث لهما: إما أن ترامب يؤدي، بوعي أو من دونه، دور الحليف الوظيفي للنظام الإيراني عبر خطاب يُشتّت الاحتجاج ويعيد إنتاج سردية السلطة، أو أنه يتصرف بوصفه قائدًا يفتقر إلى الحد الأدنى من الاتساق السياسي، فتتحول تصريحاته إلى أدوات تفكيك للحراك بدل أن تكون وسائل ضغط على النظام. وفي الحالتين، لا تبدو هذه اللغة نصرة للمتظاهرين، بل جزءًا من آلية ضبطهم.