تعارض الدين مع تطبيق الماركسية على المجتمع العراقي وضرورة تطبيق الماركسية الشيوعية على الفرد قبل تطبيقها على أرض الواقع.


جعفر حيدر
2026 / 1 / 1 - 21:49     

يمثل العراق واحدًا من أكثر المجتمعات العربية تجذّرًا في الدين، والروابط الروحية، والبنى العشائرية، ولذلك كان دخول الفكر الماركسي إليه منذ ثلاثينيات القرن العشرين يمثل صدمة فكرية عميقة. فالماركسية ليست مجرد نظرية اقتصادية، بل هي منظومة فلسفية كاملة تقوم على المادية الجدلية، وإنكار الغيب، وإرجاع الوعي والدين والقيم إلى البنية الاقتصادية. بينما يقوم الدين الإسلامي في المجتمع العراقي على الإيمان بالله والقدر، والروح، والمرجعية الدينية، والقيم الأخلاقية الثابتة، والتكافل الاجتماعي. هذا التناقض بين المنهجين – المادي الماركسي، والروحي الإسلامي – كان كافيًا لخلق صدام فكري واجتماعي واسع، جعل تطبيق الماركسية على الأراضي العراقية أمرًا شديد التعقيد. فمن جهة، تعتمد الماركسية على رؤية ترى الإنسان كائنًا مادياً تتحكم به علاقات الإنتاج والصراع الطبقي، بينما يعتمد الدين في العراق على رؤية ترى الإنسان خليفة الله في الأرض، يمتلك روحًا، ويحاسب على الخير والشر. ومن جهة أخرى، فإن المجتمع العراقي يعيش تحت تأثير مؤسسات دينية قوية، أبرزها المرجعية في النجف وكربلاء، التي تُشكّل مرجعًا أخلاقيًا وسياسيًا واجتماعيًا للمجتمع، وتربط الأفراد بقيم الإيمان، والعبادة، والشريعة. وعندما ظهرت الماركسية في العراق، اصطدمت مباشرة مع هذا المجال الروحي. تجلّى الصدام بشكل واضح عام 1960 عندما أعلن المرجع الأعلى السيد محسن الحكيم فتواه الشهيرة “الشيوعية كفر وإلحاد”. هذه الفتوى لم تكن مجرد حكم ديني، بل كانت تعبيرًا عن الوعي الجمعي العراقي الذي رأى في الماركسية تهديدًا للقيم الدينية والشعائر والعقائد، خصوصًا أنها تعرض الدين بوصفه نتاجًا اقتصاديًا وليس حقيقة إلهية. إضافة إلى ذلك، يشكّل المجتمع العراقي نسيجًا عشائريًا مترابطًا يعتمد على قيم النسب، والملكية، والتكافل، والعرف، وهذه القيم تتناقض مع نظرية الصراع الطبقي التي تدعو إليها الماركسية؛ فبينما تسعى الماركسية إلى تأجيج صراع العمال ضد الأغنياء لإسقاط الطبقات، يقوم المجتمع العراقي على تهدئة النزاعات، وإصلاح ذات البين، وحماية الملكية الخاصة، واحترام العلاقات العشائرية. كذلك تُعد مسألة الملكية الخاصة من أبرز نقاط التعارض، فالماركسية تدعو لإلغاء الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج وتحويلها إلى ملكية جماعية، بينما يقوم النظام الاقتصادي والاجتماعي العراقي على الملكية الفردية، والإرث، والوقف الديني، والبساتين، والأراضي الزراعية، وهي جزء أساسي من بنية العائلة والعشيرة والدين. وهكذا يظهر أن تطبيق الماركسية في العراق يصطدم بمجموعة من الأسس العقائدية والاجتماعية والثقافية، ما يجعل تقبّلها على المستوى الشعبي أمرًا صعبًا للغاية. لكن هناك جانبًا آخر بالغ الأهمية يجب إضافته لفهم فشل التجربة الماركسية في العراق وفي العالم، وهو أن الماركسية لا يمكن تطبيقها مباشرة على المجتمع قبل “تشكيل الإنسان الماركسي” نفسه. فالنظام الماركسي ليس برنامجًا اقتصاديًا فقط، بل هو مشروع لتغيير الإنسان جذريًا، من طريقة تفكيره إلى علاقته بالدين، والملكية، والأسرة، والعمل، والقيم. التجارب التاريخية في الاتحاد السوفيتي والصين وأوروبا الشرقية أثبتت أن غياب الإنسان الماركسي هو السبب الأساس في انهيار الأنظمة الشيوعية؛ فقد تم تطبيق النظام قسرًا قبل أن يتغير الوعي الاجتماعي، فنتجت دول حزبية مركزية أدّت في النهاية إلى التسلّط والسقوط. الإنسان الماركسي يجب أن يكون مؤمنًا بالمادية كمنهج للحياة، وبالجماعية بدل الفردية، وبأن الصراع الطبقي محرّك التاريخ، وبأن الدين ظاهرة اجتماعية لا غيبية. هذا الإنسان لم يكن موجودًا في العراق، بسبب قوة التربية الدينية، وعمق الانتماء العشائري، ومركزية القيم الروحية، وعدم وجود طبقة عمالية صناعية واسعة تشكّل قاعدة للوعي الماركسي. لذلك فإن تطبيق الماركسية في العراق كان مستحيلًا من جهتين: الأولى عقائدية، بسبب التعارض الجذري بين الماركسية والدين الإسلامي. والثانية بشرية، لأن الإنسان العراقي لم يكن مهيئًا ثقافيًا أو نفسيًا أو اجتماعيًا لتقبّل فلسفة مادية تُلغي الدين. وهكذا يمكن القول إن الماركسية اصطدمت بالدين قبل أن تصطدم بالسياسة، واصطدمت بالإنسان العراقي قبل أن تصطدم بالواقع. فغياب “الإنسان الماركسي” كان كافيًا لإفشال أي محاولة لتطبيق النظام، حتى لو توفرت الظروف السياسية. وفي النهاية، يظهر أن تطبيق الماركسية على أرض العراق يتطلب – نظريًا – إعادة تشكيل الإنسان والمجتمع والثقافة، قبل تطبيق النظرية اقتصاديًا، وهذا أمر لم يحدث، ولن يحدث، لأن البنية الدينية والأخلاقية للمجتمع أقوى من أن تُستبدل بفلسفة مادية.