نزوح تلميذة - هروب من الحرب - - قصة قصيرة / 31ديسمبر2025
أمين أحمد ثابت
2026 / 1 / 1 - 16:30
كانت تقول مكررا لهم حين يسألونها عند نقاط التفتيش المؤقتة، حيث توزع الأسماء كما توزع الأرقام على الأكياس:
— اسمك؟
فتجيب بصوت كأنه يخرج من قاع بئر: نُصرى.
— من؟
— نصرى محمد عبدالقوي الرباعي.
— من معك؟
فتصمت، ثم تجهش. وحدي.
الوحدة لم تكن كلمة، كانت جسدا ثقيلا ينام فوق صدرها منذ الطفولة. أم تلاشت فجأة، أخ اسمه حمودي، كان في العاشرة حين اختفى من الصورة، وأب يقولون عنه “من المخفيين قسريا” . لا تتذكر ملامحه؛ وجه ضبابي، يد بلا أصابع واضحة، صوت مكسور كحلم قطع في منتصفه. حين اختفى، لم تكن قد تجاوزت السادسة. منذ ذلك العمر وهي تتعلم كيف تعيش بنصف ذاكرة.
في ذلك اليوم كانت عائدة من المدرسة، في المرحلة الأخيرة من الثانوية العامة. حقيبتها خفيفة، رأسها مثقل. كانت مخطوبة لعمرو، ابن جارهم في الحي الخلفي لبيت الإيجار. عمرو في سنته الجامعية الرابعة، يضحك كثيرا حين يتكلم عن المستقبل، يقول: “سأصير مليارديرا، سأركل الفقر كما يركل حجر في الطريق”. كانت تصدقه، لأن الحرب لم تكن قد كشرت عن أنيابها بعد- انفجارات مهولة، قذائف تلقى من السماء كأنها شتائم معدنية، ودبابات تفرغ غضبها في الشوارع، ومدافع لا تتوقف عن النباح. رصاص الرشاشات المعدلة يئن بلا انقطاع، كلاشينكوفات شعبية تدار بأياد مرتجفة، وقنابل يدوية تتطاير كثمار فاسدة. الأشلاء تُعلَّق على الجدران، المنازل تنهار على ساكنيها، الشوارع تحفر، والدم يتناثر على الأرصفة بإيقاع جنائزي، متسق مع أصوات مربوعة، نائحة، تأتي من كل الجهات. المدينة كانت تصرخ دفعة واحدة.
سُحبت مع مجموعة تلوذ بالفرار. الجحيم يسقط من فوقهم، والقناصة يختارون أجسادهم كما تُختار الكلمات في جملة قاسية. كانت تصرخ بأسماء أهلها، تبكي حتى جف حلقها. قالت لها امرأة نازحة: “لا أحد بقي هناك”. وأشار رجل إلى الحي وموضع بيتهم: “هنا هُدمت البيوت على سكانها. لم يخرج أحد حيا”.
لاحقتهم القذائف، ورصاص الفصائل المتحاربة، والقوى الدولية التي تُدير الموت عن بعد. هروب من المدينة إلى الأحراش، إلى التلال، إلى الخلاء، ثم إلى صحراء قاتلة. بردها يعضّ، ذئابها وضباعها لا تسكت، شهور من العراء والجوع وقرس البرد وحرقة شمس النهار. وجموع النازحين، المكسورين، كانوا يكسرون بعضهم بعضا. غضب يتوزع، وذل يصب على الأضعف.
في عود لعمر بعيد، تذكرت نفسها طفلة تمسك بثوب أمها - وبذاكرة أقرب، رأت عمرو في فناء البيت، وحدهما. كانت ترسل من أمها إلى بيتهم، فلا تجد أحدا سواه. الصدفة كانت تخطط أكثر مما خططوا. ثم صار التخطيط رغبة: لقاء بلا شهود، بيت فارغ من الأسرتين، زمن يغلق الأبواب. الحرب تمددت، والنزوح شتت المترافقين. ثم اختفى عمرو كما اختفى الآخرون، بلا خبر، بلا أثر.
ها قد وصلت اخيرا إليهم منظمة دولية لإيواء النازحين، دونوا أسماءهم كما تدون الأضرار. خيم، بقايا طحين، أرز، زيت، فرش، بطانيات. كانت نصرى وحيدة مفجوعة. ابنة عصرها، تحمل في جسدها تاريخا لا يروى. لا تدري عن عمرو شيئًا، كما لا تدري عن أمها وأخيها. الفراغ كان يتكاثر.
بعد شهور من النزوح، جاء الغثيان. آلام المعدة، أعلى المثانة. ثم الركبتان، الحقو. بطنها بدأ ينبو، يتحدب إلى الخارج كحقيقة لا تُخفى. رعب صامت. هي حامل. في آخر تجمع للهاربين، عند منطقة ساحلية، كانوا يبحثون عن قارب ينقلهم خارج البلد. لم يعرف أحد عن أحد شيئا. صغر سنها وبطنها الواضح جعلا العيون تلتفت إليها باحتقار، كأنهم وجدوا فيها مرآة لكل مهانتهم. أفرغوا نقصهم عليها. صارت تبكي أكثر، تقترب من الجنون. رغبة في الموت تشل الجسد والروح. أين تذهب؟ ماذا تفعل؟ أسئلة بلا مخارج.
جاء المخاض فجأة، مولود سباعيّ الشهر. الصدفة—تلك التي خانتها طويلا—وقفت إلى جانبها هذه المرة. بعثة أطباء بلا حدود كانت قد وصلت قبل عشرة أيام. ولادة متعسرة، جسدها بين الحياة والموت. صرخة صغيرة شقت الهواء. سمّى أحد العاملين الطفلة: انتصار. اسم ثقيل على جسد صغير، لكنه كان كل ما تبقى.
بينما كان النازحون يتهافتون إلى القوارب، تطوّع اثنان من البعثة الدولية. فردا موضعا لنصرى وابنتها، رافقوهما إلى ملجأ قادم لا تعرف ما فيه. البحر خلفها، الحدود أمامها، والخلاء الآخر ينتظر - ليلا، حين تهدأ الأصوات، تعود الاخيلة إليها ، أم بلا وجه، حمودي يضحك، عمرو يعد بالمليارات، المدينة قبل أن تُسحق. تسأل الصمت: هل سترى أمها وأخيها؟ ماذا عن عمرو؟ هل مات كما مات الآخرون؟ ما الذي سيجري لها ولانتصار؟
لا جواب. سوى يقينٍ واحد . . سوء معاملة وحشية، وعيشٍ لا إنساني، على أرض خلاء أخرى وراء الحدود. ومع ذلك، كانت تضم ابنتها، كأنها آخر خيط يربطها بالحياة، وتهمس باسمها، لا كإجابة، بل كعهد مؤجل.
* * *
لم تنته رحلتها وبين يديها وحيدتها – كلتاهما في عمر البراعم – وحدها ، لا يد تمسك بها ولا كتف تستند اليه. كانت تمشي وكأنها تسحب ظلها خلفها. حملت انتصار على صدرها. قطعة لحم دافئة تتنفس. كانت تقول في سرها انا ام. الكلمة كانت تخيفها اكثر مما تطمئنها.
حين صعدوا الى القارب لم يكن قارب نجاة بل نعشا عائما. خشب متشقق. محرك يئن. بشر متكدسون كالحطب. البحر اسود. الليل بلا قمر - قال رجل وهو يدفع : تحركوا ، صرخت امرأة : الأطفال - رد صوت غاضب : من يسقط لا نعود له – ضجيج وشجار ونواح ويتمايل القارب الخشبي المتهالك بين اجنحة موج تجدف هائجة بين ثنايا الريح . . .
جلست نصرى في زاوية. لفت ابنتها ببطانية رطبة - الموج يضرب القارب يدخل الماء إليه – صرخات ، ادعية تعلو بطن القارب المهترئ ويردد الموج في ملعوب الرياح صداها – كانت نصرى تهمس مرعوبة باكية الى نفسها . . كأنها في حالة جنون – يسمع منها : يا رب . . ثم تصمت وتقول مرة أخرى :
-اين انت . . انقذنا ، لما لا اراك
توقف المحرك في منتصف البحر - قال احدهم انتهينا - امرأة بدأت تلطم - رجل قفز و . . ابتلعه الظلام .
كانت نصرى تنظر الى الماء. تفكر لو سقطت هل ستنتهي كل الاسئلة. لكن انتصار تحركت ، بكاء ضعيف – أصوات تضج داخلها ، ما حدث ، لوحدها ، ما تعمل بانتصار ، من سينتبه لهما ، ما في احد معروف – جنون – ما اعمــــــــــــــــل ؟ !!
عاد الموتور للدوران وتحرك القارب ، تركوا خلفهم صراخا لا يعود ، لم تلتفت ، لم يعد لديها دموع كافية – أخيرا بدى ملمح الشاطيء و . . وصلوا اليه مع علامات الفجر - كانت حدود بلا ترحيب - جنود بوجوه باردة : انزلوا ، قفوا ، انتظروا .
نقلت نصرى وصغيرتها الى ملجأ بخيمة كبيرة ب . . اسرة حديدية - روائح عفن ، صراخ أطفال ، شجار نساء- قالت امرأة : هذه مكاني زعيق وصوت يقول : الكل هنا بلا مكان
اتخذت نصرى زاوية بعيدة من نزلها . لا احد يسألها من اين. لا احد يسألها ماذا فقدت. فقط رقم - في الليل كانت تسمع الريح. لكنها لم تكن قذائف. هذا وحده كان الامان الجديد. امان بلا كرامة.
مرت الايام ثقيلة ، طعام قليل ، نظرات قاسية - قال رجل وهو يمر :
هذه جلبت العار معها - لم ترد وتحدثت في سرها : كم كنت اريد ان اموت قبل هذا .
كانت ليال باردة في ملجأهم الأخير داخل كونتينيرات فصلت داخليا بقواطع من رقائق حديدية استبدلت عن الخيام – كانت تضم ابنتها. تشعر بأنفاسها تضعف بعد سقوطها في الحمى اكثر من مرة – عند بزوغ فجر يوم تالي فتحت نصرى بصرها بنظرة مرهقة اثر تعب الم بابنتها ليلا لتجدها قطعة متثلجة ، لا نفسا يحرج منها – صرخت مرعوبة تناديها ، تقلبها – إلحقوني – كانت انتصار قد رحلت الى ربها ، دفنوها في بقعة خلاء من المنطقة المحيطة بالملجأ . . بلا اسم او علامة تدل على اصلها - وقفت نصرى وحدها. لا دموع. لا صراخ. فراغ
عادت الى مهجعها للمرة الأولى لوحدها – جلست . . تنظر الى يديها - قالت في نفسها : عدت كما كنت وحيدة . . خارج الحدود ل . . لكن بلا قذائف. لا ذئاب او . . بحر نغرق فيه – ل . . لكن الموت هنا ابطأ ، مخيف ما سيأتي - موت بلا ضجيج – كان ليل طويل بارد ، رفعت رأسها الى السماء ، لم تطلب شيئا. . فقط تبحلق في السماء المظلمة كثيفة النجوم خارج مهجعها جوار المدخل . . في حالة انتظار ما سيجيء به الغد عليها .