إسرائيل حطمت محمد بكري لأنه تجرأ على التعبير عن الألم الفلسطيني كما هو..


جدعون ليفي
2025 / 12 / 29 - 09:20     

أدارت إسرائيل ظهرها بينما كان المجتمع الفلسطيني في الداخل ينعى وفاة محمد بكري، أحد أبرز رموزه: ممثلا، ومخرجا، وأيقونة ثقافية، ووطنيا فلسطينيا، وإنسانا نبيلا في روحه.

كانت القاعة الملاصقة للمسجد في قرية البعنة بالجليل مكتظة يوم الجمعة. آلاف الوجوه العابسة جاءت لتقديم واجب العزاء ثم غادرت؛ وكنت اليهودي الوحيد بينهم.
المجتمع الفلسطيني في إسرائيل ينعى رحيل أحد أعظم أبنائه: ممثل ومخرج وبطل ثقافي، وطني فلسطيني وإنسان نبيل الروح – محمد بكري – فيما إسرائيل، في موته كما في حياته، أدارت له ظهرها. قناة تلفزيونية واحدة فقط خصصت خبرا لوفاته. لا شك أن حفنة من اليهود جاءت لتعزية عائلته، لكن بعد ظهر يوم الجمعة لم يكن بينهم أحد.
ووري بكري الثرى مساء الأربعاء – في ساعة متأخرة من الليل، بطلب من العائلة – من دون أن يُترك في إسرائيل مكان واحد يمكن أن يُؤبن فيه، أو يشكر على عطائه، أو ننحني أمامه تقديرا، أو نطلب منه الصفح.
لقد كان يستحق كل ذلك. كان بكري فنانا ومقاتل حرية، من أولئك الذين تكتب عنهم كتب التاريخ وتُسمى الشوارع بأسمائهم. لم يكن له مكان في إسرائيل متطرفة القومية، ولا حتى بعد موته.
حطمته إسرائيل فقط لأنه تجرأ على التعبير عن الألم الفلسطيني كما هو. قبل زمن طويل من الأيام القاتمة لبنيامين نتنياهو وإيتمار بن غفير، وقبل عشرين عاما من السابع من تشرين الأول/أكتوبر والحرب على غزة، عاملته إسرائيل بفاشية لم تكن لتحرج وزراء الليكود يوآف كيش وشلومو كَرعي.
المؤسسة القانونية الإسرائيلية المرموقة تجندت بأكملها لإدانة عمله. قاض في محكمة لواء اللد حظر عرض فيلمه «جنين، جنين»، والمستشار القضائي للحكومة آنذاك انضم إلى الحملة، فيما قررت المحكمة العليا «المستنيرة» أن الفيلم أُنتج «بدوافع غير سليمة». هذا كان مستوى الحجج التي ساقها من يُفترض أنه منارة العدالة.
وكل ذلك بسبب حفنة من جنود الاحتياط الذين قالوا إن فيلمه «آذاهم» وسعوا لتصفية الحساب. لم يكن المتضررون هم سكان مخيم جنين للاجئين، بل الجندي نيسيم ماغناجي. استُجيب لطلبه، ودمر بكري. كل هذا حدث قبل زمن طويل من «العصور المظلمة».
قلة فقط دافعوا عنه. صمت الفنانون، وأُلقي بنجم فيلم «ما وراء القضبان» الوسيم للكلاب. ولم يتعاف أبدا.
كنت أعتقد يوما أن فيلم «جنين، جنين» سيُعرض يوما في كل مدرسة في البلاد، لكن بات واضحا اليوم أن ذلك لن يحدث، لا في إسرائيل اليوم، وعلى الأرجح لا في المستقبل أيضا.
لكن محمد بكري الذي عرفته لم يكن غاضبا ولا حاقدا. لم أسمعه يوما ينطق بكلمة كراهية واحدة تجاه من نبذوه، أو من آذوه وآذوا شعبه. قال ابنه صالح ذات مرة: «[إسرائيل] دمرت حياتي، وحياة أبي، وحياة عائلتي، وحياة أمتي». ومن المشكوك فيه أن والده كان سيعبر بهذه الطريقة.
يوم الجمعة وقف هذا الابن المهيب شامخا، وقد لف الكوفية على كتفيه، وهو وإخوته – الذين كان والدهم فخورا بهم إلى حد كبير – يستقبلون المعزين بوفاة أبيهم.
أحببته كثيرا. في ليلة شتوية ماطرة في حرم الجامعة العبرية في جبل المشارف، حين صرخ الناس في وجوهنا «خونة» بعد عرض «جنين، جنين»؛ وفي مهرجان مركز الفيلم الإسرائيلي في نيويورك، في مركز مارلين مايرسون (JCC مانهاتن)، حيث كان يُدعى كل عام، وهناك أيضا صرخ المتظاهرون؛ وفي مقهى «تامار» التل أبيبي، الذي كان يرتاده أحيانا أيام الجمعة؛ وفي مقالاته المؤلمة التي نشرها في «هآرتس». بلا سخرية، ببراءة طفل، وممتلئا بالأمل كما كان دائما.
فيلمه الأخير، والقصير جدا، «Le Monde»، الذي كتبته ابنته يافا، تدور أحداثه في حفلة عيد ميلاد في فندق فاخر. فتاة توزع الورود على الضيوف، عازف كمان يعزف «عيد ميلاد سعيد»، غزة المدمرة تظهر على شاشة التلفاز، وبكري ينهض بمساعدة شابة كانت تجلس إلى جانبه ويغادر. كان أعمى.
قبل ثلاثة أسابيع كتب لي ليخبرني أنه يخطط للمجيء إلى منطقة تل أبيب للمشاركة في جنازة رجل عزيز، كما قال، هو المخرج رام لويفي، فأجبته بأنني مريض ولن نتمكن من اللقاء. وحسب علمي، لم يذهب هو أيضا إلى الجنازة في نهاية المطاف.
«كن بخير واعتنِ بنفسك»، كتب لي الرجل الذي لم يعتنِ بنفسه يوما.
محمد بكري مات، ومخيم جنين دُمر، وجميع سكانه طردوا، ليصبحوا بلا مأوى مرة أخرى، في جريمة حرب جديدة. ومع ذلك ظل الأمل ينبض في قلب بكري حتى وفاته؛ ولم نكن متفقين على ذلك.