حديث عن المشروع القومي للترجمة


فهد المضحكي
2025 / 12 / 27 - 12:08     

مهما تحدَّثنا عن أهمية الإبداع الذاتي أو الاستقلال الفكري، ومضينا في طريق تنمية القدرات الذاتية، وبحثنا لأنفسنا عن هوية خاصة نباهي بها غيرنا، فلا نتيجة فعلية يمكن أن نحققها في ذلك كله لو تجاهلنا حتمية الانفتاح على العالم من حولنا وضرورة معرفة أسرار تقدمه، والأخذ من منجزات هذا التقدم ما يدفعنا إلى الأمام، وينقلنا من واقع الضرورة إلى أفق الحرية، ومن وهاد التخلف إلى ذرى التقدم، يفرض علينا ذلك أن الوعي بالهوية وعي بالغيرية، وأن حضور الآخر المتقدم بعض مكونات وعي الأنا التي تسعى إلى مجاوزة ما هي عليه من تخلّف، وأن مجاوزة التخلف لا يمكن أن تتحقق بالعزلة أو الانغلاق أو الخوف أو الجمود، وإنما بالانفتاح على الغير، والحوار مع الآخر، والتفاعل مع كل ما يثري الإبداع الذاتي.


هذا ما كتبه المفكر والأكاديمي الراحل جابر عصفور، في مقالٍ نُشر بأحد أعداد مجلة «العربي» الكويتية، تحت عنوان «حول المشروع القومي للترجمة».
وبحسب وجهة نظره، يعني ذلك حتمية معرفة عوالم التقدم من حولنا، وترجمة منجزاتها على أوسع نطاق. فالترجمة وسيلة حاسمة في تعميق علاقات التواصل مع العالم المتقدم، وفي توسيع دائرة الحوار التي تؤدي إلى امتلاك مفردات العصر ولغاته، وتجسير الهوّة الفاصلة بين المتقدم والمتخلف، والسبيل إلى فتح آفاق جديدة من

وعود المستقبل الذي لا حدّ لإمكاناته، وعلامة الانتساب إلى الحضارة العالمية في تنوّعها الخلاق، ولذلك أصبحت درجة التقدم تقاس بدرجة ازدهار حركة الترجمة في هذه الأمة أو تلك، كما تقاس بشمولية هذه الحركة في تعدد مجالاتها التي تصل الحاضر بالماضى في التطلع إلى المستقبل، وتصل العلوم الإنسانية بالعلوم البحته في شبكة المعرفة البشرية التي تتوازن مكوّناتها، وتتجاوب عناصرها التي لا تعرف التدابر أو التجرؤ.

وحين نفكر في التخطيط لمشروع قومي للترجمة من هذا المنظور، وانطلاقًا من أحلام التقدم، فإن علينا وضع مجموعة من المبادئ الأساسية في اعتبارنا، نبدأ منها لنعود إليها بوصفها أطارًا مرجعيًا من تفكير نظري خالص، أو من تأمل بعيد يتعالى على الواقع، وإنما من ممارسة فعلية تبدأ بالممكن لتجاوزه إلى المحتمل الأكمل الذي لا يقع في دائرة المستحيل، ويلزم عن ذلك البدء من مشروعات الترجمة التي سبقت على امتداد الوطن

العربي، ومحاولة الانطلاق من الإيجابيات التي حققها، ومجاوزة سلبياتها إلى إيجابياتها مضافة، تبدأ من حيث انتهى السابقون لتمضي في طريق صاعد من الإنجاز الذي يضيف فيه اللاحق إلى السابق، خصوصًا في تاريخ ممتد من مشروعات الترجمة العربية التي ترجع، فعليًا، في تاريخنا الحديث، إلى مشروع (مدرسة الألسن) الذي خطط له رفاعة الطهطاوي، وتولى تنفيذه مع تلامذته.


وفي مقابل ذلك، وعلى صعيد الاتصال بدوائر العالم، يعتقد أن المبدأ الأول - من منظور هذه الرغبة في مجاوزة الإضافة - هو الخروج من أسر المركزية الأوروبية الأمريكية، والتحرر من دائرتها الضيقة بما يصلها بغيرها من دوائر العالم على امتداد كوكبنا الذي تحول إلى قرية كونية بالفعل، وقد ظلت حركة الترجمة العربية أسيرة اللغة

الإنجليزية بالدرجة الأولى، واللغة الفرنسية بالدرجة الثانية، وذلك في حال من التبادل الذي ارتبط بالصراع على النفوذ الثقافي على الأقطار العربية، ولم يصل إلى مستوى هاتين اللغتين غيرهما من اللغات الأوروبية كا لإسبانية والألمانية والإيطالية.. إلخ، فلم يكن اللغة من هذه اللغات الأخيرة من الحضور أو التأثير أو النفوذ ما للإنجليزية والفرنسية اللتين ارتبطتا بالحضور الاستعماري والمؤثرات الثقافية المصاحبة له.


ولذلك عرفت ثقافتنا العربية الصراع بين اللاتين التي كان يعني بها الثقافة الفرنسية، بينما كتب عباس محمود العقاد عن انحيازه المضاد إلى الثقافة السكسونية التي كان يعني بها الثقافة الإنجليزية، وظل الصراع باقيًا بين ثقافات اللغتين المهيمنين، وإن كان قد أصبح أقل حدّة في تجليات الأحداث التي أخذت شكل التعارض بين الفرانكفونية (اللغة الفرنسية) والأنجلوفونية (الثقافة الناطقة بالإنجليزية)، ورغم المحاولات الحثيثة التي تبذلها

فرنسا في السنوات الأخيرة لدعم حضور الثقافة الفرانكفونية بوسائل متعددة، منها دعم حركة الترجمة عن الفرنسية إلى العربية، فإن تصاعد نفوذ اللغة الإنجليزية يفرض نفسه بوصفه نتيجة من نتائج التحوّلات العالمية الأخيرة، وهي التحوّلات التي ترتّبت على انهيار الاتحاد السوفييتي، والهيمنة المتزايدة للولايات المتحدة الأمريكية على العالم الذي أصبح وحيد القطب، جنبًا الى جنب التصاعد المستمر لتأثير العولمة التي تأخذ طابعًا أمريكيًا بأكثر من معنى.


ولا يختلف هذا الوضع الجديد عن الوضع القديم من حيث الانجذاب نحو قطب بعينه، والدوران في دائرة ضيقة تعود بنا إلى النزعة المركزية ذاتها في مجلى جديد من مجاليها، وذلك وضع يفرض نفسه، بالطبع، على حركة الترجمة التي لا بد أن تتأثر بما يقع في العالم حولها، لكن هذا التأثير بما يقع في العالم لا يمنع من مواجهته، والانتباه إلى مزالقه ومحاولة مجاورتها، ذلك لأنه وضع يعني انحيازًا ثقافيًا بعينه، ووقوعًا في أسر الهيمنة التي

تفرض تبعيتها الثقافية الخاصة، أضف إلى ذلك أنه وضع يعني العزلة عن أغلب العالم الذي نعيش فيه ونتأثر به، ابتداءً من الدول الأوروبية نفسها، حيث لم نترجم - مباشرة - الكثير عن الروسية أو البرتغالية أو الإسبانية أو الألمانية.. إلخ، وأغلب الذي ترجمناه عن هذه اللغات إنما تم عن طريق لغة وسيطة، ومن ثم بواسطة نظرة تأويلية باعدت بيننا وبين الأصل المباشر.


ولا يتوقف الأمر في هذا المجال بقية دول أوروبا التي لم نقع في هيمنتها الاستعمارية، أو التي حالت اللغتان المهيمنتان - الإنجليزية والفرنسية - بيننا وبينها، وإنما يتعداه إلى بقية اللغات التي يعني عدم ترجمتنا عنها عزلتنا الفعلية عن أكثر دول العالم الذي نحن جزء منه بالضرورة، ابتداءً من لغات الدول الآسيوية التي تبرز فيها ثقافات الصين والهند واليابان، فضلًا عن الثقافات الفارسية والتركية والأوردية، وغيرها من ثقافات اللغات

الآسيوية التي لا نكاد نعرف عنها شيئًا، والتي لم يتوقف العالم المتقدم عن الترجمة عنها والاهتمام بدراستها، وقل الأمر نفسه عن لغات القارة الإفريقية التي تنتسب إليها مجموعة كبيرة من الدول العربية، والتي فرضت إنجازاتها الإبداعية والفكرية لنفسها حضورًا على العالم كله، وأنجزت في نقد نظرية التبعية، مثلًا، ما يجعل قرينة ثقافات القارة الإفريقية في الهموم نفسها.


وحول أهمية الترجمة والتعريب، ثمة بحث للباحث والأكاديمي الجزائري سعيد بوعيطة، نشرته مجلة «رواق ميسلون» للدراسات الفكرية والسياسية والثقافية، يذكر فيه: أن الرقي الذي تشهده الحضارة المعاصرة اليوم في جميع المجالات والميادين المعرفية والتكنولوجية الدقيقة لا تشكل جهد أمة واحدة أو جنس واحد من الأجناس البشرية. إنما هو ثمرة تضافر جهود الإنسانية التي أسهمت منذ آلاف السنين ومن هنا كانت هذه الحضارة

اليوم حضارة عالمية إنسانية؛ لأنها «حصيلة جهد إنساني مشترك أسهمت فيه جميع الشعوب، واضطلعت فيه الترجمة بدور الوسيط الفاعل المؤثر في التعرف والتعاون بين مختلف الجماعات البشرية، وتخصيب معارفها وتلاحقها فالترجمة مكنت الأفكار من التحليق في عوالم جديدة، وكتب لها البقاء والانتشار والنماء، والترجمة استطاعت شعوب كثيرة أن تواكب تطور المعرفة وتقف على عتبة الحداثة، وتحقق تقدمها ورفاهيتها.

وبالترجمة نقدر أن نعرف الآخر وندرك الذات ونقيم حوار بناء ينهي التنازع ويؤسس سلامًا ينعم فيه الجميع».

من هذا المنطلق، أصبحت حاجتنا اليوم إلى الترجمة والتعريب أكثر من ضرورة. فكيف السبيل إلى ملاحقة حضارة اليوم التي تسير بسرعة الضوء المعتمد على خدمات الترجمة والتعريب بوصفهما آليات لغوية مكينة

تساعدنا في الاقتراب ولو قليلًا من المسافة التي تفصل بيننا وبين ما وصلت إليه المدينة المعاصرة. وإذا كان، كما يقول، للترجمة دور في تعميق علاقات التواصل مع العالم، فإنها في الوقت نفسه أداة من أدوات التفاعل الحضاري بل هي ضرورة لأي شكل من أشكال التفاعل.