ارض الشهيد مقابل الجسد


جعفر حيدر
2025 / 12 / 25 - 13:42     

في العراق لا تُسرق حقوق الشهداء فقط بالروتين والفساد الإداري، بل تُدنَّس أحيانًا بأبشع أشكال الابتزاز حين تتحول دماء الشهداء إلى سلعة تُساوَم عليها الأمهات والأرامل والبنات، إذ يُفتح باب “المعاملة” ظاهريًا باسم القانون وباطنيًا باسم الشهوة، فتُعلَّق حقوق الشهيد بين توقيعٍ مؤجل وملفٍ ناقص ونظرةٍ فاحصة لا تبحث عن الاستحقاق بل عن الجسد، وحين تقف امرأة فقدت معيلها أمام موظف يفترض به أن يكون حارسًا لكرامة الدولة لا سماسرة أخلاقها، يُطلب منها ما لا يُقال، ويُلمَّح لها بما لا يُكتب، ويُفهمها أن الطريق إلى الراتب أو قطعة الأرض أو الامتياز الموعود أقصر إن تنازلت عن ما تبقى لها من كرامة، هنا لا يكون الفساد مجرد سرقة مال عام بل اغتيالًا ثانيًا للشهيد، مرة بالرصاص ومرة بالإهانة، لأن الشهيد الذي خرج ليحمي الوطن لم يفعل ذلك كي تُستباح زوجته أو تُساوَم ابنته، ولم يضحِّ بروحه ليصبح اسمه ورقة ضغط في يد ذئاب ترتدي وجوه الموظفين، والغضب هنا لا يكفي لوصف المشهد، فالحزن أعمق من الدموع حين نرى دولةً تسمح بانكسار أهل الشهداء بدل احتضانهم، وتتركهم فريسة للفقر والحاجة والخوف من ضياع الحق، فتتحول الحاجة إلى سلاح، والسلطة الصغيرة إلى أداة إذلال، ويُختبر صبر المكلومين عند كل شباك وكل توقيع، وكأن الكرامة بند غير مُدرج في القوانين، وكأن الشرف تفصيل يمكن تجاوزه مقابل “تسيير المعاملة”، وهذا الانحطاط لا يفضح أفرادًا فقط بل يفضح منظومة صمت، منظومة تعرف وتغض الطرف، تعرف أن الجريمة تقع في الممرات الخلفية وعلى الأرائك الملطخة بالنفاق، لكنها تختار السلامة على المواجهة، وفي هذا الصمت تُقتل الثقة نهائيًا، لأن الوطن الذي يعجز عن حماية أرملة شهيد من الابتزاز هو وطن مكسور المعنى، والسلطة التي تساوم على الأجساد باسم الحقوق سلطة ساقطة أخلاقيًا مهما رفعت من شعارات، ولن يُشفى هذا الجرح إلا حين يصبح حق الشهيد خطًا أحمر لا يُلمس، وتصبح كرامة أهله مقدسة لا تُساوَم، ويُحاسَب كل من ظنّ أن الحاجة تُسكت العار، لأن الأوطان لا تُبنى على إذلال المكسورين، ولا تُصان دماء الشهداء حين تُباع كرامتهم في المكاتب المغلقة.