-إريك فروم- والأبطال المنفردون: سيكولوجية الاختلاف والتقدم الاجتماعي


رزكار عمر
2025 / 12 / 21 - 14:02     

في عصرٍ باتت تحدده "غرف الصدى" الرقمية وتصاعد حدة الاستقطاب الأيديولوجي، اتخذ الدافع البشري نحو الامتثال والتماهي مع الجماعة أبعاداً جديدة وأكثر خطورة. ولعلّه لم يوجد مفكر رصد آليات هذا الدافع بدقة كما فعل عالم النفس الاجتماعي "إريك فروم". ففي منتصف القرن العشرين، استكشف فروم مفارقة جوهرية: وهي أن الإنسان الحديث، رغُم سعيه الحثيث نحو الحرية، لا يزال مسكوناً بخوف عميق من "الوقوف وحيداً". إن هذا "الخوف من العزلة"، أي الرعب النفسي من تعرض الفرد للنبذ من قِبل الأغلبية، يعمل كآلية قوية للضبط الاجتماعي، حيث يصيغ السلوك الفردي في قوالب نمطية يمكن التنبؤ بها.
وفي عصرنا الراهن، يتطلب الأمر شجاعة هائلة للوقوف بعيداً عن "القطيع"، وتحدي المعايير السائدة، ومخاطبة السلطات الاجتماعية والسياسية بالحقيقة مباشرة؛ لا سيما عندما تؤدي هذه الأفعال إلى التهميش والإقصاء. هؤلاء الأفراد، الذين وصفهم فروم بأنهم "الأبطال الحقيقيون للإنسانية"، يلعبون دوراً حاسماً كمحركات للتقدم المجتمعي. ففي عالم اليوم المثقل بالأزمات الاجتماعية والسياسية والبيئية، أصبحت الحاجة إلى هذا النوع من الأبطال، ممن يمتلكون الكاريزما الاجتماعية والقدرة على الإلهام من أجل التغيير، أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
إن شجاعة "الوقوف وحيداً" هي سمة نادرة ومثيرة للإعجاب. وتاريخياً، جسدت شخصيات مثل سقراط، وغاليليو، ونيلسون مانديلا هذه البسالة. فسعي سقراط الدؤوب وراء الحقيقة، رغم مواجهته للإدانة والموت في نهاية المطاف، وضع حجر الأساس للفكر الفلسفي الغربي. كما أن تحدي غاليليو لمبادئ مركزية الأرض التي تبنتها الكنيسة الكاثوليكية دفع بعجلة الفهم العلمي إلى الأمام رغم ثقل القوالب الجامدة. وقد تشارك هؤلاء الأفراد في صفة واحدة: وهي الالتزام الراسخ بمبادئهم وبالسعي وراء الحقيقة، بغض النظر عن الثمن الشخصي.
إن المجتمع المعاصر في أمسّ الحاجة إلى "أبطال جدد" يمتلكون هذا النوع من الكاريزما والشجاعة الاجتماعية. إن التحديات الحديثة — مثل تغير المناخ، وعدم المساواة الممنهج، والفساد السياسي، تتطلب أصواتاً قادرة على تحريك الرأي العام والإلهام لعمل جماعي. وتعتبر "الكاريزما الاجتماعية" عنصراً جوهرياً في صناعة "البطل التاريخي" القادر على تحفيز التحول؛ حيث يمتلك الأفراد الكاريزماتيون القدرة على التواصل مع الناس، وصياغة رؤية مقنعة، وإلهام الآخرين للانضمام إلى قضيتهم. هذه القدرة على حشد وتوحيد الناس هي أمر أساسي لحل القضايا المعقدة في المجتمع الحديث.
إن صناعة هذا النوع من الأبطال تتطلب بيئات حاضنة تُقدّر الفكر المستقل والاختلاف بدلاً من قمعهما. يجب على المؤسسات التعليمية، والمنصات الإعلامية، ومنظمات المجتمع المدني أن تصبح "حصوناً للتفكير النقدي"، تشجع الرؤى المتنوعة وتدعم أولئك الذين يتحدون الوضع الراهن. إن هؤلاء الأبطال الذين يجرؤون على الوقوف بعيداً عن القطيع ومواجهة السلطة بالحقيقة هم العصب الحيوي لتقدم المجتمع. وكما يشير فروم، فبدون هؤلاء الأبطال، ستظل البشرية في حالة من الركود، محرومة من الابتكار والوضوح الأخلاقي اللازمين للمضي قدماً. ومن خلال الاعتراف بظهور قادة كاريزماتيين جدد ودعمهم، يمكن للمجتمع أن يغذي التغيير المطلوب لمواجهة تحديات اليوم الصارخة وبناء مستقبل أكثر عدلاً واستدامة.