عندما يكون الهدف نبيلا !!


حسن مدبولى
2025 / 12 / 21 - 11:34     

لا يزال البعض يحاولون إهالة الوحل فوق نبل المقاومة البطولية فى غزة ولبنان واليمن، بل وأوغل البعض فى التصهين ليصموا هؤلاء الأشراف بأنهم ارهابيين، مع أن المنطق والتاريخ يؤكدان بأنه ليس كل من حمل السلاح عاشقًا للدم، ولا كل من اختار طريق المقاومة أسير أيديولوجيا مغلقة،
وفي التاريخ الحديث هناك نماذج مقاومة أخرى خرجت من أديان مختلفة، وأوطان متباعدة، وثقافات لا يجمعها شيء في الظاهر، لكنها التقت عند فكرة واحدة: أن الاحتلال جريمة، وأن الظلم البنيوي لا يُواجَه بالمواعظ وحدها،
وهؤلاء لم يكونوا ملائكة، ولم يدّعوا الطهر أو العصمة، لكنهم – في لحظتهم التاريخية – قرروا الاصطفاف في الجانب الأصعب: جانب المواجهة المباشرة، ودفعوا أثمانًا شخصية باهظة، سجنًا أو منفى أو موتًا.
في هذا السرد، لا نكتب مرثية، ولا نؤسس لأسطورة، بل نستعيد وجوهًا آمنت بأن التحرر قيمة إنسانية، لا بطاقة هوية، مهدوا الأرض للمقاومة بعدهم ولم يضرهم من خالفهم :

1- المطران الذي أخفى السلاح تحت العباءة:

لم يكن المطران هيلاريون كابوتشي رجل دين مسيحي عربي تقليديًا، ولا حصر رسالته في حدود تعليمات الكنيسة. فمنذ توليه منصب مطران الروم الكاثوليك في القدس عام 1965، رأى الاحتلال بعين الفلسطيني، لا بعين المؤسسة الدينية،
فلم يكتفِ بالإدانة الأخلاقية، بل آمن أن الموقف إن لم يتحول إلى فعل، يظل ناقصًا، لذا قرر دعم المقاومة الفلسطينية سرًا، وهرّب السلاح تحت عباءته الكهنوتية، في فعلٍ جمع بين الجرأة والإدانة الصامتة للنفاق الدولي.
اعتقلته إسرائيل عام 1974، وحُكم عليه بالسجن 12 عامًا، قضى منها أربع سنوات قبل الإفراج عنه بوساطة الفاتيكان، حيث تم إبعاده قسرًا عن فلسطين، وعاش منفيًا حتى وفاته عام 2017، لكنه مع كل ذلك لم يتبرأ يومًا من خياره، وبقي وفيًا لفكرة أن العدالة لا تعترف بالحياد،

2- الفتى الدرزي اللبناني الذي كبر في الزنزانة

وُلد سمير القنطار في بلدة عبيه اللبنانية، لعائلة لبنانية درزية، عام 1962. لم يكن فلسطينيًا، ولم يكن مسلمًا بالمعنى الطائفي السائد في سرديات الصراع، لكنه رأى في فلسطين قضيته.
في السادسة عشرة من عمره، شارك في عملية نهاريا عام 1979، وهى عملية استهدفت أسر جنود لمبادلتهم بأسرى فلسطينيين، لكنها انتهت بفشل دموي وتعقيدات لم يكن فتى في عمره قادرًا على السيطرة عليها.
حكمت عليه إسرائيل بمؤبدات متعددة، ليصبح أقدم أسير لبناني في سجونها. أمضى قرابة ثلاثين عامًا خلف القضبان، خرج بعدها في صفقة تبادل عام 2006 مع حزب الله ، لا ليعيش حياة هادئة، بل ليستكمل جهاده ، وبالتالى ظل هدفًا مفتوحًا، حيث اغتالته إسرائيل في سوريا عام 2015، وكأنها تؤكد أن السجن لم يكن كافيًا لإغلاق حسابه. قصة القنطار ليست ملحمة بطولية فحسب ، بل جرحًا إنسانيًا معقدًا، وهذا ما يمنحها صدقها.

3- جورج حبش… حين صارت البندقية نظرية

كان جورج حبش فلسطينيًا مسيحيًا، ماركسي التوجه، لكنه قبل كل شيء ابن هزيمتى 1948 و1967. طبيبٌ آمن بأن العلاج الحقيقي ليس للجسد فقط، بل للواقع العربي المأزوم.
بعد نكسة 1967، اختار مع رفاقه تحويل الانكسار إلى مشروع مقاومة منظمة، فأسس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، واضعًا الكفاح المسلح في قلب المعادلة السياسية.
لم يرَ نفسه قائدًا عسكريًا، بل واضع خط استراتيجي، مؤمنًا بأن الصهيونية لا تنسحب إلا تحت الضغط، وأن إنهاء عدوان 1967 لا يكون بتكريس جريمة 1948.
اعتُقل، وطورد، واتُّهم بالإرهاب حتى في مستشفى فرنسي، قبل أن تُجبر حملة دولية سلطات باريس على الإفراج عنه. رحل جورج عام 2008، تاركًا خلفه مدرسة فكرية كاملة في المقاومة، لا مجرد تنظيم.

4- الطبيب الفلسطيني الذي لم يفصل بين المشرط والبندقية

كان عبد العزيز الرنتيسي طبيبًا فلسطينيًا مسلمًا، وأديبًا وخطيبًا ومثقفًا، لكنه اختار أن يكون أيضًا مقاتلًا سياسيًا. منذ الانتفاضة الأولى عام 1987، كان حاضرًا في الصفوف الأمامية، معتقلًا ومُبعدًا ومُطارَدًا.
قضى سنوات في السجون الإسرائيلية، وحُفظ القرآن في الزنزانة، كما ذاق الاعتقال على يد السلطة الفلسطينية. بعد اغتيال الشيخ أحمد ياسين، تولى قيادة حماس في غزة، ولم يُمنح الوقت.
ففي 17 أبريل 2004، اغتالته إسرائيل بصاروخ مباشر. لم يكن اغتياله نهاية رجل، بل رسالة: أن الاحتلال لا يفرّق بين طبيب وشاعر وقائد، طالما اجتمعوا على الرفض،

5- الياباني البوذي السابق الذي قاتل من أجل فلسطين

وُلد كوزو أوكاموتو في اليابان عام 1947، لعائلة متوسطة، ودرس علم النباتات. لم يكن عربيًا، ولا مسلمًا في نشأته، بل يابانيًا علمانيًا انتمى لاحقًا إلى الجيش الأحمر الياباني، في سياق صدام عالمي مع الإمبريالية.
وحين دعمت اليابان إسرائيل سياسيًا وعسكريًا، رأى أوكاموتو ورفاقه أن فلسطين ليست قضية بعيدة. حيث شارك عام 1972 في عملية مطار اللد، بالتنسيق مع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.
قُتل رفيقاه في العملية، واعتُقل هو، وحُكم عليه بالسجن المؤبد.لكن أُفرج عنه عام 1985 في صفقة تبادل ، وتنقل بعدها بين ليبيا وسوريا، قبل أن يستقر لاجئًا سياسيًا في لبنان، حيث أشهر إسلامه لاحقًا.
قصة أوكاموتو تكسر الوهم القائل إن المقاومة حكر على شعب أو دين، وتعيد تعريفها كفعل أخلاقي عابر للجغرافيا،

باختصار نبل الهدف يولد مقاومة لا تعترف بالجبن أو التصنيف ، فما جمع هؤلاء ليس الدين، ولا الجنسية، ولا الخلفية الطبقية، لكن جمعهم قرار واعٍ بدفع الثمن، في زمن كان الصمت فيه أكثر أمانًا،
وهو نفس ماقررته الفصائل المقاومة فى غزة والجبهات المساندة ، والجميع ( السابقون واللاحقون) يستحقون التحية، وليس التنظير والتفلسف وتحويل دماء الضحايا الى حجة لتخوين المقاوم ، بدلا من صب اللعنات على القتلة ومن يشايعهم،