في الموت والحياة!


ادم عربي
2025 / 12 / 18 - 14:08     

بقلم : د. ادم عربي
ظلّ خوف الإنسان من الموت، بوصفه النهاية الحتمية لمسار الحياة، أحد المحرّكات الكبرى لتطوّر الثقافة والحضارة. فهذا الخوف، حين اقترن بلغز الموت، لم يكن دائما عنصرَ ضعف، بل تحوّل في محطات كثيرة من التاريخ إلى مصدر طاقة غذّى انماطا من التفكير والسلوك والثقافة. وقد رأينا كيف دفعت الحروب، على وجه الخصوص، إلى إنتاج ثقافة كاملة تهدف إلى تحييد هذا الخوف داخل نفوس المحاربين، بل إلى إعادة تصوير الموت في ساحات القتال بوصفه عبورا ضروريا إلى حياة أخرى يُنظر إليها على أنها أبهى وأسمى وأكثر جاذبية من الحياة الواقعية.
وضمن هذا القبيل  ، يمكن اعتبار خفض مستوى الخوف من الموت في النفوس أحد أهم المعايير التي يُقاس بها تقدّم المجتمعات حضاريا وثقافيا. غير أن هذا التقدّم ذاته ، بما يشمله من تطوّر علمي وثقافي وإنساني ، يجب أن يكون الأداة التي نحقّق بها هذا الهدف. فكلما تراجع الخوف من الموت داخل الإنسان، ارتفع منسوب الحياة فيه، واتّسعت قدرته على عيشها بكامل معانيها وتجاربها.
وليس الخوف من الموت بعيدا، في آثاره المدمّرة، عن الخوف من الفشل. فالإنسان الذي تستبدّ به عقدة الخوف من الفشل يحجم عن المبادرة والعمل، ويتراجع عن خوض التجارب الضرورية لنموّه، خشية السقوط. وهكذا يتحوّل الخوف إلى عائق يشلّ الحركة ويمنع التقدّم، كما يفعل داء القعود بالجسد. غير أنّ الخوف من الموت أشدّ فتكا، لأنه لا يقيّد الفعل فقط، بل يفرغ الحياة من مضمونها، ويحوّل الإنسان إلى كائن حيّ بالاسم، ميت بالفعل، عاجز عن الانتماء الحقيقي إلى الحياة.
ولعلّ هذا المعنى العميق هو ما التقطه كبار المفكرين والأدباء عبر العصور. فمارتن لوثر كينغ رأى أن من ينسى حتميّة الموت لا يصلح للحياة. وشوبنهاور شبّه ما بعد الموت بما قبل الولادة، في إشارة إلى عبثية الرعب منه. وصموئيل جونسون شدّد على أن السؤال الحقيقي ليس كيف نموت، بل كيف نعيش، لأن لحظة الموت قصيرة لا تستحق كل هذا الهلع. أما ليوناردو دافنشي فاعتبر تعلّم الحياة تعلّمًا للموت، فيما حذّر جوزيف أديسون من أن الخوف من الموت قد يدفع الإنسان إلى تدمير نفسه بيده. وأكّد جون روسكين أن الجهل بتوقيت الموت يقود إلى الجهل بطريقة العيش، بينما دعا نيتشه إلى العيش بفخر أو الموت بفخر. وعبّر المتنبي عن المعنى ذاته حين ساوى بين الموت في الأمر الحقير والموت في الأمر العظيم، لأن القيمة ليست في الموت بل في ما نغامر من أجله. وأضاف غوته أن الحياة الفارغة ليست سوى موت مبكر، فيما رأى بنجامين فرانكلين أن كثيرين يموتون وهم أحياء قبل أن يُدفنوا بسنوات طويلة. وأخيرا لخّص سينيكا الفكرة بقوله إن الموت ليس سوى اكتمال مسار بدأ منذ الولادة.
من هنا، تصبح الحاجة ماسّة إلى إعادة النظر في "ثقافة الموت" السائدة في مجتمعاتنا، بحيث تتحوّل من عبء يثقل النفوس إلى رافد يغذّي "ثقافة الحياة". غير أن هذا التحوّل لا يمكن أن يتحقق دون صراع واعٍ مع تلك المظاهر الثقافية والطقوس والعادات التي ترفع منسوب الخوف من الموت، وتجعل منه شبحا دائم الحضور في الوعي الجمعي.
وعند تتبّع تطوّر فكرة الموت تاريخيا، يتجلّى بوضوح الارتباط العميق بين ثقافة الموت وثقافة الحرب. فقد دفعت الحروب، في أشكالها القديمة خاصة، كثيرا من الأمم إلى ابتكار منظومات فكرية وأخلاقية تجعل المحارب يستهين بروحه، ويضبط انفعالاته، ويشحذ دافعه القتالي بالشجاعة والإقدام، عبر تطبيع الموت وإفراغه من رعبه.
ومع ذلك، يمكن القول إن الخوف من الموت ، كما أرى ، هو الخوف الوحيد الذي لا مبرر حقيقيا له، والذي ينبغي للإنسان أن يعمل على اقتلاعه من داخله. فالموت ذاته هو اللحظة التي ينتهي فيها الخوف من الموت؛ إذ لا يعرف هذا الخوف إلا الأحياء وحدهم ، فالميت هو الشخص الوحيد الذي لا يخشى الموت .
أما الموت الذي يستحق الخشية حقا، فليس توقّف الجسد عن الحياة، بل أن يتحوّل الإنسان إلى تابع للموت وهو لا يزال حيا ، أن تنطفئ فيه المعاني، وأن يموت ذكره، ويمّحي اسمه، ويضيع أثره. وحده من يسيء فهم الحياة يخاف الموت   ؛ أما من أحسن فهمها، فإنه يدرك أن الحياة تُقاس بعمقها، لا بطولها، وأن الموت هو نقيض الحياة، بل خاتمتها الطبيعية.ولا يخشى الموت إلا من أساء فهم الحياة فعش كأنك تعيش أبدا ، ولا تجعل الخوف من الموت ينغص عيشك.