لماذا أقصت العولمة فكر اليسار الاشتراكي؟


عبدالباسط الجبوري
2025 / 12 / 15 - 00:01     

قراءة فكرية في جدلية العدالة والهيمنة

منذ سقوط الاتحاد السوفييتي مطلع التسعينيات، دخل العالم في مرحلة جديدة سمتها الأساسية هي "العولمة". لم تعد الدولة القومية وحدها مركز الفعل، بل صعدت قوى السوق والشركات العابرة للقارات، وأصبحت الثقافة والاقتصاد والسياسة تدور في فلك رأس المال العالمي. في هذا المناخ، بدا أن اليسار الاشتراكي – الذي كان ذات يوم القوة الفكرية الأوسع حضوراً في العالم – تراجع إلى الهامش، وكأن العولمة أعلنت نهايته أو على الأقل تجريده من قدرته على التأثير.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا أقصت العولمة الفكر اليساري رغم أن هذا الفكر يطمح إلى العدالة والمساواة وتذويب الفوارق الطبقية؟ أليس في العدل والمساواة ما يتوافق مع روح الإنسانية؟
أولاً: العولمة كآلية رأسمالية ناعمة
العولمة ليست مجرد انفتاح اقتصادي أو تقارب ثقافي كما يُروَّج لها، بل هي في جوهرها آلية رأسمالية لإعادة تشكيل العالم وفق مصالح السوق.
ففي حين كانت الاشتراكية تنادي بسيطرة الدولة على وسائل الإنتاج لتحقيق العدالة، جاءت العولمة لتفكك دور الدولة وتستبدله بسلطة السوق.
النتيجة: تحولت الحرية الاقتصادية إلى دين جديد، وأصبحت العدالة الاجتماعية تُصوَّر على أنها عائق أمام “النمو”.
الشركات العملاقة اليوم تملك من النفوذ ما يفوق نفوذ كثير من الدول. هذه الشركات لا ترى في المساواة هدفاً، بل ترى في التفاوت الطبقي ضرورة “تحفيزية” للإنتاج، فصارت الفوارق الطبقية جزءاً بنيوياً في النظام العالمي الجديد.
ثانياً: اليسار بين الجمود الأيديولوجي والتكيف

لم يكن اليسار بريئاً تماماً من تراجعه. فالكثير من أحزابه التقليدية ظلت أسيرة لخطابات الخمسينيات والستينيات، ولم تستطع أن تطور أدواتها الفكرية والاقتصادية لتواكب التحولات الجديدة.
حين دخلت الرأسمالية مرحلة ما بعد الصناعة (اقتصاد الخدمات والتكنولوجيا والمعلومات)، بقي اليسار مشدوداً إلى لغة “البروليتاريا” والمصانع والطبقة العاملة الكلاسيكية.
وبينما كان رأس المال يتكيف مع الثورة الرقمية ويستثمرها، كان اليسار يفقد جمهوره تدريجياً.

مع ذلك، ظهرت تجارب حاولت التوفيق بين الاشتراكية والديمقراطية، أبرزها في أوروبا الشمالية، حيث نجحت السويد، النرويج، الدنمارك وفنلندا في بناء نموذج خاص يُعرف بـ"الاشتراكية الديمقراطية".
ثالثاً: التجربة السويدية نموذجاً
تُعد السويد نموذجاً بارزاً لما يمكن تسميته بـ الاشتراكية المنفتحة أو “اليسار الواقعي”.
فهي لم تلغِ السوق، لكنها وضعت له ضوابط صارمة تضمن عدم تحوله إلى أداة استغلال.
في السويد:
الدولة تضمن التعليم والرعاية الصحية للجميع مجاناً.
الفوارق في الدخل محدودة نسبياً بفضل نظام ضريبي تصاعدي.
النقابات العمالية قوية وممثَّلة في صنع القرار.
ورغم ذلك، يوجد قطاع خاص نشط ومبتكر.
بهذا التوازن، حققت السويد ما عجزت عنه الكثير من الدول الرأسمالية: اقتصاد تنافسي دون سحق الإنسان.
لكن حتى هذا النموذج لم يسلم من ضغوط العولمة. فالمنافسة العالمية أجبرت السويد وغيرها من الدول الاسكندنافية على تخفيف الضرائب وتقليص بعض الخدمات للحفاظ على جاذبيتها الاستثمارية. أي أن العولمة نجحت جزئياً في "تليين" اليسار الأوروبي وإدخاله في منطق السوق العالمي.
رابعاً: الإعلام والثقافة كسلاح للعولمة
من أبرز أدوات إقصاء الفكر اليساري هو الهيمنة الثقافية والإعلامية.
فالإعلام العالمي المهيمن – الذي تسيطر عليه شركات رأسمالية – أعاد تشكيل الوعي العام بحيث بات الناس ينظرون إلى الاشتراكية على أنها “فشل اقتصادي” و“قمع للحريات”.
في المقابل، يُقدَّم النموذج الرأسمالي كرمز للحرية والإبداع، رغم أنه في الواقع يعمّق الفوارق ويجعل الغني أكثر غنى والفقير أكثر تبعية.
العولمة هنا لم تكتفِ بإقصاء اليسار من السياسة، بل أقصته من الخيال الجمعي، من فكرة “ما هو ممكن”، إذ جعلت العدالة نفسها تبدو حلماً رومانسياً لا مشروعاً واقعياً.
خامساً: الحاجة إلى يسار جديد
رغم كل ذلك، لم تمت الفكرة الاشتراكية، بل هي في حالة تحولٍ عميق.
فاليوم نرى حركات يسارية جديدة في أمريكا اللاتينية وأوروبا، تركّز على:
العدالة البيئية (اليسار الأخضر)،
المساواة الرقمية،
مقاومة احتكار التكنولوجيا،
والدفاع عن الفئات الهشة ضد تغوّل رأس المال.
العالم في ظل الأزمات الاقتصادية والمناخية يعود شيئاً فشيئاً للبحث عن بدائل إنسانية، ما يعني أن فكر اليسار لم يُقصَ نهائياً، بل أُجبر على التكيف وإعادة الصياغة.