محاولة اغتيال القيادي رائد سعد


نهاد ابو غوش
2025 / 12 / 14 - 17:32     

نهاد أبو غوش
كما يعلم الجميع فإن اسرائيل لم تتوقف يوما واحدا عن خرق اتفاق وقف اطلاق النار منذ سريانه رسميا في العاشر من اكتوبر الماضي، فالخروقات المسجلة والموثقة حتى الآن تزيد عن 800 خرق أودت بحياة نحو اربعمائة شهيد فلسطيني، من دون أي خرق فلسطيني جدي في المقابل. هذه الحقائق نؤكد أن الخروقات ليست مجرد حوادث أمنية بل هي قرار سياسي يريد إعادة صياغة الاتفاق وخطة الرئيس ترامب على مقاسات الشروط الأمنية والأطماع التوسعية الإسرائيلية، وهكذا تريد إسرائيل التزامات من الجانب الفلسطيني فقط بينما لا ترى أن عليها التزامات مقابلة. وأن لها الحق أن تفعل ما شاءت وأينما شات وفي كل وقت، إذا رصدت تهديدات أمنية سواء كانت تهديدات حقيقية أو مُتَخَيَّلة أو حتى كاذبة ومصطنعة، هذه المعادلة تعمل إسرائيل على فرضها في غزة كما في لبنان وسوريا. وإذا عدنا إلى الوراء قليلا فسنجد أنها تبنتها على امتداد تطبيق اتفاق أوسلو، وما يشجعها على ذلك هو الدعم الأميركي المفتوح، والتفاهمات الجانبية بين الإدارة الأميركية وإسرائيل، علاوة على الغموض الذي يشوب بعض بنود الاتفاق الذي تريد إسرائيل اختزاله من 20 بندا إلى بندين فقط هما استعادة الأسرى وسحب سلاح المقاومة متجاهلة كل البنود المرتبطة بدخول المساعدات وفتح المعبر والانسحاب واعادة الاعمار.
محاولة اغتيال القيادي البارز في حماس رائد سعد الذي تصفه الأجهزة الأمنية الإسرائيلية بأنه رقم 2 في حماس بعد القيادي عز الدين الحداد، لم تكن الأولى من نوعها، إسرائيل اعترفت بمحاولتين سابقتين على الأقل، وادعت في إحداهما أنه نجحت في تصفيته لتبرير الهجوم الوحشي على مستشفى الشفاء في بداية الحرب. وتنسب إسرائيل لسعد مسؤولية التخطيط للهجوم الناجح على فرقة غزة الإسرائيلية فيما وصف بعملية "أسوار أريحا"، إلى جانب الادعاء بأنه المسؤول الأول عن الجانب التسليحي وإعادة بناء قدرات حماس العسكرية.
إسرائيل بالطبع لن تعدم سببا لتنفيذ مثل هذا الاغتيال ومواصلة محاولاتها لتصفية كل قادة وأعضاء حماس، وهي التي أعلنت في بداية الحرب عن وجود سبعة وثلاثين ألف (37000) هدف للتصفية ، أي سبعة وثلاثين ألف إنسان بين أعضاء في حماس من مقاتلين وأنصار ومؤيدين وأعضاء في الأجهزة الأمنية والإدارات المدنية لحكومة غزة بما يشمل الشرطة والدفاع المدني والشخصيات المنتخبة في البلديات والنقابات والاتحادات واللجان الطلابية والنسوية واساتذة الجامعات، وبالتالي هي تستهدف شريحة واسعة من المجتمع الفلسطيني، فإذا أضفنا إلى ذلك أن برنامج القتل بواسطة الذكاء الاصطناعي الذي اعتمدته إسرائيل واسنه لافندر، يتيح قتل 20 شخصا كنتائج عرضية جانبية لدى تنفيذ أي محاولة لتصفية العناصر المحسوبة كأهداف لآلة القتل الإسرائيلية.
وهكذا العملية الهادفة لاغتيال القيادي رائد سعد هدفها تثبيت معادلة اشتباك تكون فيها الالتزامات فقط على الجانب الفلسطيني، بالإضافة إلى ما تريده حكومة نتنياهو من إشاعة صورة النصر والتفوق والحسم، والعقلية الانتقامية التي تعبر عنها ما يعرف بعقيدة ميونيخ التي تقوم على تصفية الحسابات مع من تريد إسرائيل تصفيتهم حتى لو بعد سنوات طويلة وهذا ما أشار له رئيس جهاز الشاباك السابق رونين بار على الرغم من أن هذا الأخير أطيح به من قبل حكومة نتنياهو، إلا أن تصريحاته التي سبقت محاولة الاغتيال بأيام قليلة تؤكد وجود إجماع على هذه العقيدة الأمنية الانتقامية.
من اسباب العملية أيضا أن إسرائيل دخلت عمليا أجواء الدعاية الانتخابية، وبالتالي يوظف نتنياهو هذه العملية في خدمة معركته الانتخابية المقبلةوفي سعيه دائما إلى إبقاء نار التصعيد متقدة، وإبقاء الهاجس الأمني مسيطرا على اهتمامات الجمهور الإسرائيلي على حساب القضايا الأخرى كالفساد والانقلاب القضائي وقانون التجنيد وتراجع الثقة في مؤسسات الدولة.