العراق بين الكاتونات الإقليمية وجزر الفراغ السيادي: في الجغرافيا العميقة للدولة بعد السيادة


ليث الجادر
2025 / 12 / 12 - 20:25     

لا يمكن مقاربة التحولات التي أصابت الدولة العراقية بعد 2003 بعيون التحليل التقليدي الذي يختزل الأزمة في الفساد الحزبي أو سوء الإدارة أو الصراع السلطوي. فهذه مقاربات سطحية لا تلمس البنية الفعلية التي تحوّلت إليها الدولة.
ما حدث في العراق لم يكن تراجعاً مؤقتاً في قدرات الدولة، ولا خللاً إصلاحياً قابلاً للتدارك؛ بل نشوء تكوين سياسي جديد بالكامل يقوم على تفكك السيادة، وتوزيع السلطة بين أطراف إقليمية ومحلية، مقابل بقاء الدور الوظيفي للدولة محكوماً بيد القوى الأنكلو–أمريكية.
بهذا المعنى، يمكن القول إن العراق يعيش شكلاً مركباً من الدولة: دولة مفككة داخلياً، مضبوطة خارجياً.

هذه ليست استعارة سياسية أو توصيفاً صحفياً، بل خلاصة بنيوية تتكشّف من قراءة الجغرافيا السياسية والاقتصادية والأمنية التي تحولت إليها البلاد. فما يظهر أمامنا ليس ضعف الدولة، بل تعدد الدول داخل الدولة، وتحول السيادة إلى شبكة موزعة، وانفصال المركز عن الجغرافيا التي يحمل اسمها.

أولاً: الدولة العراقية… حين تنفصل الجغرافيا عن السيادة

الدولة الحديثة تُعرَّف عادة بأربعة عناصر: الأرض، الشعب، الحكومة، والسيادة.
لكن ما نشهده اليوم في العراق يشير إلى أن هذه العناصر لم تعد تعمل بوصفها منظومة واحدة، بل كأجزاء متناثرة تتوزعها قوى مختلفة:

الأرض مجزأة بين مناطق نفوذ وجزر مغلقة

الشعب موزع الولاء بين أحزاب، فصائل، ومرجعيات خارجية

الحكومة موجودة شكلاً في بغداد، وغائبة فعلياً خارجها

السيادة موزعة بين إيران وتركيا وأمريكا، إضافة إلى قوى محلية

إنها الدولة حين لا تكون دولة بالكامل.

وهذا التفكك ليس عرضاً طارئاً، بل بنية متجذرة صنعتها ثلاثة عوامل كبرى:

1. انهيار احتكار العنف بعد 2003

2. صعود الفصائل المسلحة كبديل للجيش

3. ترسخ النفوذ الإقليمي في كل مفاصل الجغرافيا

مع الوقت، لم يعد تفكك السيادة وضعاً انتقالياً، بل الصيغة الاعتيادية للعمل السياسي والأمني في العراق.

ثانياً: كاتونات النفوذ… سيادات متجاورة لا تتقاطع

1. كردستان: الجغرافيا المنقسمة بين أنقرة وطهران

إقليم كردستان اليوم ليس وحدة سياسية ذات سيادة داخلية، بل خريطة نفوذ إقليمي موزعة بين جهتين:

السليمانية: المجال الحيوي الإيراني

منظومة النفوذ الإيراني في السليمانية لا تقتصر على صلات دبلوماسية، بل تقوم على:

علاقات حزبية تاريخية

تنسيق أمني

تجارة ومعابر

قنوات اتصال غير معلنة

السليمانية تمثل الامتداد الاستراتيجي الأكثر رسوخاً لإيران داخل الإقليم.

أربيل: الامتداد التركي العميق

أما أربيل، فقد أصبحت نقطة ارتكاز النفوذ التركي:

وجود عسكري مباشر

دور محوري في التجارة والطاقة

تعاون استخباري

تأثير في الملف الكردي السوري عبر بغداد وأربيل

دهوك والعمادية: فراغ السلطة لصالح أنقرة

تتحول هذه المنطقة شيئاً فشيئاً إلى حيّز عمليات تركي مفتوح، مع تقلص حضور الحكومة المركزية وحكومة الإقليم.

2. الجنوب والوسط: المجال الإيراني الممتد

في هذه المنطقة، تظهر ملامح الدولة الموازية:

الحشد الشعبي

الأحزاب الموالية لطهران

الاقتصاد الموازي

اختراق الأجهزة الأمنية

السيطرة على المنافذ الحدودية

هنا لا تعمل الدولة العراقية بوصفها سلطة، بل بوصفها قشرة شكلية تخفي مركز قوة آخر.

ثالثاً: جزر الفراغ السيادي… حين تختفي الدولة من جغرافيتها

إلى جانب الكاتونات الإقليمية، ثمة جزر كاملة لا تظهر فيها الدولة إطلاقاً، وبعضها لا يدخلها الجيش العراقي منذ سنوات.

1. جرف الصخر: المنطقة المحجوبة

نموذج صارخ لمنطقة مغلقة بالكامل أمام الدولة منذ 2014، تخضع لسيطرة فصائل محددة وتدار كمنطقة سيادية موازية.

2. النخيب: معبر غير معلن في قلب الصحراء

تحولت النخيب من نقطة صحراوية مهمشة إلى:

مساحة نفوذ إيراني

وجود للحرس الثوري

قواعد صاروخية ميدانية

مسار استراتيجي يربط بين الشرق والحدود السعودية

الدولة العراقية هنا غائبة بالكامل.

3. وادي قذف والصحراء الغربية

من أهم مظاهر الفراغ السيادي:

مناطق لا تدخلها القوات العراقية

نشاط لقوى مسلحة عابرة للحدود

تلاعب أو تغييب في خرائط غوغل

خطوط إمداد مجهولة المصدر

هذه الجزر تمثل انفصال الجغرافيا عن السيادة بشكل كامل.

رابعاً: الدولة المضبوطة خارجياً… اليد الأنكلو–أمريكية

رغم تفكك الدولة على هذا النحو، إلا أن العراق لا ينزلق إلى انهيار شامل. والسبب ليس قدرة الحكومة المركزية، بل الرقابة الدولية.

الولايات المتحدة وبريطانيا لا تتحكمان بالعراق سياسياً، بل وظيفياً:

ضبط إنتاج وتدفق النفط

إدارة المجال الجوي الأمني

السيطرة على المؤسسات المالية

تحديد سقف الحركة للفصائل

منع انزلاق العراق نحو محور إقليمي واحد

بهذا تصبح الدولة العراقية كياناً مضبوطة وظيفياً رغم تفككها الداخلي.

الفوضى مسموح بها ما دامت لا تمس:

خطوط النفط

قواعد التحالف

أمن الخليج

التوازن بين تركيا وإيران

إنها معادلة “الفوضى تحت السيطرة”.

خامساً: المفارقة التأسيسية – دولة موجودة ولا تحكم

ينتج عن كل ما سبق مفارقة محورية تحكم الحياة السياسية العراقية:

الدولة قائمة… لكنها ليست صاحبة السيادة.

توجد حكومة وبرلمان ومؤسسات، لكن لا يوجد مركز قرار واحد.
توجد حدود جغرافية، لكن لا توجد حدود سيادية.
توجد قوات أمن، لكن لا يوجد احتكار للعنف.
توجد ثروات ضخمة، لكن لا توجد قدرة على توجيهها في إطار وطني موحد.

إنه نوع من “الوجود الشكلي”، حيث تعمل الدولة كأداة إدارة لا كسلطة سيادة.

سادساً: العراق كنموذج للدولة بعد السيادة

قد لا يكون العراق حالة فريدة، لكنه حالة مكثفة لنموذج جديد من الدول:

سيادة موزعة

جغرافيا مخترقة

نفوذ إقليمي متشابك

وظيفة دولية تضبط إيقاع الفوضى

إنه نموذج الدولة بعد السيادة، حيث يتقدم النظام الدولي على حساب الدولة الوطنية، وحيث تعمل الدولة كحقل مفتوح لتوازنات خارجية.

خاتمة:

إن تفكك الدولة العراقية ليس حدثاً انتقالياً ولا أزمة سياسية قابلة للحل بصفقة أو تغيير حكومي، بل بنية راسخة.
ما لم تُستعاد السيادة على الجغرافيا، سيظل العراق محكوماً بثنائية: تفكك داخلي – ضبط خارجي.

ومع استمرار الكاتونات الإقليمية وجزر الفراغ السيادي، سيبقى العراق دولة قادرة على البقاء، لكنها غير قادرة على الحكم.

وما لم تظهر قوة مركزية جديدة تعيد تعريف الدولة، سيظل العراق نموذجاً مكتمل الملامح للدولة التي فقدت السيادة وظلت قائمة… لأن الآخرين يحتاجونها قائمة.