بهدوء مع السيد رائد فهمي.... هل يمكن الحديث حقا عن تداول ديمقراطي للسلطة في العراق؟


طارق فتحي
2025 / 12 / 7 - 22:38     

هذا عنوان مقال قصير كتبه السيد الفاضل رائد فهمي سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي، ونشره على صفحته الشخصية، وقد ارتأينا ان نلقي بضوء على هذه المقالة، علنا نستكشف ما تريد أو ما يريد السيد رائد فهمي قوله، فمن المعروف ان الحزب مني بخسارة جسيمة خلال الانتخابات الأخيرة، وتلقي بعض الأطراف الداخلية –داخل الحزب- والخارجية اللوم على قيادة الحزب، متمثلة بشكل رئيس واساسي بالسيد رائد فهمي.

الكتابات كثيرة حول الخسارة، وقد تعودنا على هذه "اللحظة الانفجارية" بعد كل انتخابات تجري ويخسر فيها الحزب، فتخرج تحليلات ورؤى وتصورات وتنبؤات من الكثير من الكتاب، سواء كانوا أعضاء حاليين او سابقين او محبين للحزب وللشيوعية بشكل عام، فما بين كتابات السيد علي طبلة وردود السيد حسان عاكف، وما بين الكتابات الصادمة للسيد مازن الحسوني، وقراءة السيد علاء اللامي لمقالة الحسوني؛ ما بين "البحث عن طبقة" و "ما هو الحزب الذي نريد؟، وما بين "البوصلة الطبقية" و "تعريفنا للدولة العراقية" ووو.. كل تلك المقالات هدفها البحث في كيفية الخلاص من هذا الانكسار.

تأتي مقالة السيد رائد فهمي ضمن هذا السيل الجارف من المقالات، مع اننا نعلم جيدا انها في لحظة ما ستكف وسينتهي هذا "الاعصار المقالاتي"، وستبقى ذات السياسات والتوجهات؛ لكن اختيار مقالة السيد رائد فهمي بسبب أنه في قلب الحدث، وبسبب أنه "متهم" بسوء التنظيم والتفكير السياسي، وهذا رأي غير سليم وغير سياسي، فمثل هذه الآراء ترى في التوجه السياسي للحزب انه مختزل بشخص. على العموم لنبدأ مع السيد رائد فهمي، فهو يقول بمطلع مقالته ما نصه:

(لا يختلف المحللون والمرقبون السياسيون الموضوعيون في ان الدورات الانتخابية المتعاقبة اعادت انتاج ذات السلطة والقًوى المتحاصصة الماسكة بها مع تغيير في الاشخاص وفي بعض الجوانب التنفيذية التفصيلية من دون المس باي ركن او مر تكز في بنية منظومة حكم المحاصصة، والتي من خلالها يتم تقاسم وتوزيع السلطة والتحكم بآليات توزيع الريع النفطي وفق مصالح الاحزاب والقوى الحاكمة ، والفئات والشرائح التي تمثلها او تخدمها، كالرأسمالية الطفيلية ، والرأسماية التجارية الكبيرة المرتبطة مصالحها بالشركات العالمية في الخارج ، وما يطلق عليها بالبرجوازية الكومبرادورية، وبالتخادم والتعشيق مع بعض قوى السلاح وشبكات الفساد داخل مؤسسات الدولة المتشظية).....ملاحظة... الأخطاء الاملائية هي من داخل النص.

هكذا يبدأ السيد رائد فهمي بالموافقة على استنتاج "المراقبون السياسيون" في ان "الدورات الانتخابية المتعاقبة اعادت ذات السلطة.... دون المس بأي ركن او مرتكز"، وهذا الاستنتاج صحيح تماما عند كل مراقب او سياسي او حتى شخص ليس لديه ميل في العمل السياسي، بل حتى من داخل السلطة ذاتها؛ كان من الأفضل للسيد رائد ان يقول "ونحن الشيوعيين كنا نرى ذلك"، فالشيوعي السياسي لا يجب ان ينتظر "مراقب سياسي"، هذا قصور من نوع ما؛ لكن السؤال الجوهري هو بما ان السيد رائد فهمي وافق على رؤية "المراقبون السياسيون"، وهي بالتأكيد رؤية او استنتاج قديم، فهو ليس وليد هذه الانتخابات، اذن لماذا الإصرار على نهج المشاركة في العملية السياسية كلها، ولا نقول في الانتخابات فقط؟

انه يرسم صورة شكل الحكم "ريع نفطي... يوزع بين اطرف القوى الحاكمة... هذه القوى الحاكمة تمثل الرأسمالية الطفيلية.. وهذه مرتبطة مصالحها بالشركات العالمية، فهي بالتالي بورجوازية كومبرادورية... وهؤلاء كونوا مجموعات مسلحة تحمي شبكات الفساد، داخل دولة متشظية"؛ انه تحليل طبقي ممتاز، لكن يبقى السؤال الذي يتردد دائما، كيف لحزب شيوعي ان يجد لنفسه موطئ قدم داخل هذه اللوحة؟ اكيد ان الصورة التي رسمها السيد رائد فهمي هي لدى الكثير من القيادات الشيوعية، واكيد انها موجودة او يمكن التحدث بها على الأقل بعد اول انتخابات، اذا لم نقل بعد تشكيل مجلس الحكم، فلماذا بني مسار او منهج سياسي داخل الحزب يؤكد على المضي قدما بالدخول في العملية السياسية؟ فتحليل السيد رائد فهمي يناقض تماما ما يمارسونه في الواقع.

يكتب السيد رافد فهمي في الشق الثاني من المقال ما نصه:

(واكدت تجربة العقدين. الماضيين، ان ما يسمى بالديمقراطية التوافقية القائمة على اساس مشاركة ممثلي المكونات الاجتماعية، والتي تجسدت بمنظومة حكم المحاصصة الطائفية والاثنية، قد اصبحت شكل الحكم الانسب لضمان مصالح تحالف القوى الاجتماعية ، السالفة الذكر والتي تحرص على الحفاظ عليه بدعم قوى دولية، في مقدمتها الولايات المتحدة التي لعبت دورا اساسيا في صنعه بعد الاحتلال، وكذلك قوى اقليمية لا ترغب في ان تقوم بالعراق دولة قوية قائمة على اساس المواطنة والديمقراطية الحقة).

في بعض الأحيان "تتلعثم" ويصيبك الخرس امام حديث ما، فلا تعرف من اين تبدأ وكيف تبدأ؟ السيد رائد فهمي متأكد ان منظومة الحكم الحالية تحافظ على شكل الحكم هذا فهو الشكل الأنسب؛ ومع ان هذا "التأكد" متأخر جدا، فالجميع يعرف ذلك، ومنذ مجلس الحكم، لكن لا بأس في هذا التأكيد، هنا يجب ان يتبنى الحزب نهجا جديدا، فهذا الشكل لا يسمح مطلقا لأي قوى "غريبة" عنه بالدخول الى عشه الذهبي، فهو مدعوم من "قوى دولية في مقدمتها الولايات المتحدة"، لكن الحزب ثبت منهجه القديم بعد الخسارة في الانتخابات الأخيرة عبر بيان اللجنة المركزية.

المشكلة الأكبر ان السيد رائد فهمي يعرف جيدا ان "الولايات المتحدة لعبت دورا أساسيا في صنعه بعد الاحتلال"، ومع هذه المعرفة فقد كان من المهندسين الأساسيين في نهج الدخول في العملية السياسية؛ المشكلة ان هذه التناقضات لا تعرف كيف تحلها او تنظر اليها الا برؤى سيئة جدا.
أخيرا يصل السيد رائد فهمي الى استنتاجه السياسي بالقول:

(ويقودنا هذا التوصيف والتحديد لجوهر العملية الانتخابية ومضمونها السياسي، الى استحضار مفهوم دكتاتورية او هيمنة واحتكار السلطة من فبل طبقة او تحالف اجتماعي سياسي كالذي اشرنا اليه، يجري اضفاء الشرعية عليها من خلال آلية انتخابية تفتقد الى عناصر العدالة والنزاهة والشفافية).

لكن امام هذا الاستنتاج الذي يعني بالضرورة ان لا مجال بالمطلق للمشاركة للحركات الشيوعية في العملية السياسية بشكل عام والانتخابات بشكل خاص، امام هذا "التوصيف والتحديد لجوهر العملية الانتخابية"، نقرأ بيان اللجنة المركزية يقول بالنص:

(إننا نؤكد من جديد عزمنا على مواصلة الطريق، جنبًا إلى جنب مع القوى الوطنية والديمقراطية والتقدمية، لإحداث التغيير المنشود وبناء دولة المواطنة والمساواة والمؤسسات والكرامة الإنسانية).

قد تكون هذه المقالة للسيد رائد فهمي تعبير عن رأي شخصي لا يلزم ابدا قيادة الحزب، مع انه لا يمكن القبول بمثل طرح كهذا، فالسيد رائد فهمي هو الشخصية الأولى في الحزب، بالتالي فهناك اذن تناقض داخل السيد رائد فهمي وتناقض داخل الحزب ذاته، نستطيع ان نقول انها حالة من "التخبط" او "الفوضى" -بالمعنى السياسي- بسبب حالة الانكسار والإحباط داخل الحزب ذاته؛ نتمنى ان يتم تجاوز هذه اللحظات، ونتمنى ان لا يساء فهمنا، فما نحن الا افراد نعيش داخل هذا المجتمع ونتناول أوضاعه السياسية والاجتماعية... وفي الختام خالص تقديرنا واحترامنا للسيد رائد فهمي، الذي نتمنى انه استطاع الإجابة على سؤاله: هل يمكن الحديث حقا عن تداول ديمقراطي للسلطة في العراق؟