آرام خاتشاتوريان.. الموسيقي الذي كتب هوية أرمينيا


فهد المضحكي
2025 / 12 / 6 - 12:04     

إنها لمهنة شاقة العمل حمّالاً.. أمر آخر ومفرح أكثر في جوقة كنسية أو دراسة علم الأحياء في الجامعة أو خوض مجال الفن المسرحي. كل ذلك مارسه الشاب آرام خوتشاتوريان (1903-1978) في آن واحد. ولكنه دخل التاريخ بوصفه واحدًا من ألمع الملحنين في القرن العشرين ومؤلف الباليه المشهور في العالم أجمع «سبارتاك»، وكان واحدًا من الذين أضفوا المجد على القرن المنصرم.

جاء ذلك في مقالٍ للكاتب سوبوليفسكايا اولغا، والمقال نُشر على موقع «السفير» نقلاً عن وكالة «نوفوستي» الروسية.

وُلد مبدع «سبارتاك» في عائلة أرمينية تعيش في جورجيا في مكان قريب من تبليسي. هناك بالذات عشق الألحان الشعبية، وبدأ من تلقاء نفسه ورغمًا عن أهله باستيعاب الأبجدية الموسيقية وحاول التلحين والارتجال في الوقت نفسه، هناك بين الملحنين السوفيت القليلون ممن يمتلكون منابع الاورسكترا السيمفونية. قال شوستاكوفيتش: «بعدما وضع خاتشاتوريان في الفترة من 1930 و1940 العديد من الألحان والحفلات الموسيقية والسيمفونيات».

في ذلك العقد من الزمن كان الملحن يكتب الموسيقى بنهم للمسرحيات الدرامية، ومن بينها مسرحية «ماكبث» لشكسبير و«أرملة فالنسيا» للوبيه دو فيغ و«الحفلة التنكرية» لليرمونتوب. وأطلقوا على خاتشاتوريان صفة «القناص الموسيقي»، إذ إنه كان يضفي بدقة هذا الطابع بالذات على الأبطال الرئيسين، سواء كانت المسرحية فكاهية أو درامية.

ووفقًا للموسوعة الرقمية العربية، بدأ الدراسة الموسيقية في مطلع العشرينيات من القرن العشرين بموسكو. ونال التقدير عالميًا على كونشيرتو البيانو عام 1937 وكونشيرتو الكمان عام 1940.

تتضمن أعماله الأخرى ثلاث سيمفونيات (1934، 1943، 1947) والباليه المسمى سبارتاكوس (1953)، ومن إبداعاته أيضًا «بالية كايانه» و«رقصة السيوف»، لم تكتفِ بالتعبير عن الحنين والحزن، بل ترجمت القوة والكرامة، وجعلت الصوت الأرمني يُسمع في المحافل الدولية، وأصبحت أكثر المقطوعات المعروفة عالميًا.

حصل على عدة جوائز سوفييتية، وفي عام 1961 وفي أثناء رحلته إلى مصر، رحب به الرئيس جمال عبدالناصر في المطار، كما حضر حفلة الموسيقي، وقلّده وسام الاستحقاق الثقافي لمساهمته الكبيرة في مجال الفن، وجائزة» الاتحاد السوفييتي «1971، وبعدها لقب بـ «بطل الشعب السوفييتي» سنة 1973.

هناك من يقول: في أي بقعة في العالم تقيم فيها جالية أرمينية يُحاط اسم آرام خاتشاتوريان بهالة من التمجيد والإعزاز، فهو عندهم «بطل قومي»، وليس مجرد مؤلف موسيقي محبوب.

في مقالٍ نُشر في أحد أعداد مجلة «العربي» الكويتية، تذكر المؤرخة الموسيقية المصرية د. سمحة أمين الخولي: لموسيقا خاتشاتوريان رصيد طيّب لدى المستمع العربي، فهو يُقبل عليها مستسيغًا طابعها الشرقي الشجي المزخرف، لكن هذا المستمع لا يعرف إلا القليل عن جذور خاتشاتريان ونشأته، ولا يعرف عن حقيقة علاقته بأرمينيا، ولا المصادر التي استقى منها عناصر التلوين الفولكلوري الذي أضفى على موسيقاه طابعها المحبب، ولا كيف عاش وأنتج في ظل «الاشتراكية الواقعية» في الموسيقا في بلاده.

على الرغم من أن آرام خاتشاتوريان من أسرة أرمينية، فإنه لم يُولد في أرمينيا - عكس الفكرة الشائعة -، بل وُلد في عام 1903، ويحتمل أن يكون مولده في عام 1904، بمدينة تبليسي، عاصمة جمهورية جورجيا التي كانت تشكل مع أرمينيا وأذربيجان الجمهوريات الاتحادية التي يضمها القوقاز، فقد كان والده يعمل بها في تجليد للكتب، لكن تلك الأسرة الفقيرة كانت غنية بمواهب فنية، أغدقتها الطبيعة على أبنائها، وكانت الموسيقا والرقص الشعبي يؤنسان حياة الأسرة، ما أذكى الموهبة الطبيعية للطفل آرام ايليتش، فأخذ يعلم نفسه عزف البيانو «السماع» ثم في المدرسة التجارية الثانوية في تبليسي، وظهر حبه للموسيقا عندما تعلم عزف آلات النفخ النحاسية، ليشارك في الفرقة النحاسية للمدرسة.

وكان أخوه الكبير يتمتع بموهبة مسرحية، وقد سافر إلى موسكو، وهناك بدأ يسهم في إنشاء قسم للدراسة بقصر الثقافة الأرمني في العاصمة. وكلفته السلطات السوفييتية بانتخاب مجوعة من «الكوادر» الفنية الشابة، من جمهوريات القوقاز، لتدربيها في موسكو في مجالات الفنون، وكان أخوه آرام من بينها. هكذا سافر الفتى إلى موسكو، وبدأ أول دراسة حقيقية للموسيقا في سن متأخرة جدًا، فقد كان في التاسعة عشرة عندما التحق سنة 1922 بمعهد جنيسين، وكان عليه أن يختار الآلة التي يرغب في تعلمها، فاختار آلة تشللو، دون أن يكون لديه أدنى فكرة عنها.

وسايرت دراسة الموسيقا دراسته بجامعة موسكو (البيولوجيا والرياضيات)، ولكنه لم يوفق في الجامعة، فتركها، وقرر أن يكرس نفسه للموسيقا، فدرس التأليف في فصل ميخائيل جنيسين نفسه. وكانت محاولاته الأولى في التأليف تنطلق بشغفه بالموسيقا القوقازية، ولفتت موهبته اهتمام أستاذه، فعاونه على الدراسة بكونسرفتوار موسكو سنة 1929، وهناك درس التأليف، ثم انضم لفصل نيكولاي مياسكوفسكي - وهو من المؤلفين السيمفونيين السوفييت الذين اشتهروا بغزارة الإنتاج (25 سيمفونية) وهو - كما تذكر المؤرخة الموسيقية الخولي - يكتب بأسلوب عاطفي أقرب لتشايكوفسكي ويشاطره بعض نزعاته التشاؤمية، وقد لمس موهبته المبتكرة، فترك له بعض الحرية في وجهته، وفي تكوين أسلوبه الموسيقي الشخصي. وبدأ خاتشاتوريان يستكشف آفاقًا موسيقية أرحب. وقد بدأ أسلوبه يتبلور منذ سنوات الدراسة. ونقش اسمه، عند التخرّج، في لوحة الشرف سنة 1934. وظل يتابع دراسته العليا للتأليف على مياسكوفسكي، وعمل مساعدًا له في التدريس مدة ثلاث سنوات. وفي فصله التقى بزميلته نينا ماكاروفا التي أصبحت زوجته فيما بعد.

وطرقت الشهرة بابه مبكرة بنجاح كونشرتو البيانو سنة 1936 الذي لفتت أنظار العالم لهذا الشاب الموسيقي الموهوب، ليس في روسيا السوفييتية وحدها، بل في الغرب أيضًا، بأسلوبه المتميز، وألحانه شرقية الطابع، وثيقة الصلة بالموسيقا الشعبية، وبتدفقه الإيقاعي وتلوينه «الاركسترالي» الباهر. وقتذاك وجدت السلطات السوفييتية الرسمية في هذا المؤلف خير تأكيد وتدعيم لسياستها التي تهدف لتشجيع التعبير الموسيقي القومي، لشعوب الأقليات العديدة التي تقطن الاتحاد السوفييتي، فقد كان من أبرز أهداف السياسة الموسيقية توفير كل وسائل الدراسة والأداء الموسيقي في جمهوريات الاتحاد السوفييتي (السابق)، سعيًا لتنشيط تعبيرها عن ذاتها موسقيًا، بأسلوب متطور، نابع من دراستها، تغذي حاجات الشعب الفنية، وتؤكد هوية كل قومية من الجنسيات العديدة المكونة للاتحاد. وهكذا بدأ تسليط الأضواء على خاتشاتوريان، بعدّه مؤلفًا قوميًا أرمينيًا.

وتخليدًا لذكره، في شارع هادئ زاخر بالأشجار، على بُعد خطوات من مركز يريفان عاصمة أرمينيا، يقع كنز ثقافي: متحف آرام خاتشاتوريان. مُهديًا لأحد أعظم ملحني القرن العشرين.

يُتيح هذا المتحف المنزلي نظرةً مُقرّبةً على حياة وإرث عبقري موسيقي لا تزال مؤلفاته تتردد أصداؤها في قاعات الحفلات الموسيقية حول العالم. وقد اعترفت به اليونسكو كأحد أهم ملحني العصر الحديث، وهو ليس رمزًا للتميز الموسيقي الأرمني فحسب، بل شخصية مُبجّلة في مجتمع الفنون العالمي، وفق ما ذكره «Shaina Travel».

يقع المتحف في فيلا ساحرة كانت ملكًا سابقًا لشقيق خاتشاتوريان، فاجيناك خانشاتوريان. خلال زيارته ليريفان، كان آرام يقيم فيها كثيرًا، ما جعلها مكانًا مناسبًا لتخليد ذكراه بعد وفاته، حُوِّل المنزل إلى متحف وافتُتح رسميًا عام 1982. واليوم يحتفظ المكان بدفء عائلي مسكون، بينما يقدّم رحلة مُختارة بعناية عبر حياة هذا الفنان الكبير الذي كتب هوية أرمينيا.