«ترجمة بيسان عدوان… حين يعيد محمد فرحات خلق الذّاكرة الفلسطينية بلغةٍ شكسبيرية»


إلياس سعادة
2025 / 12 / 4 - 20:48     

يقدّم هذا المقال قراءة فنية وجمالية في ترجمة الأستاذ محمد فرحات لقصائد الشاعرة الفلسطينية العالمية بيسان عدوان من ديوانها «فوكوياما يسقط في غزة». ينطلق الكاتب، الدكتور إلياس المرزوق، من معاينة دقيقة لخصائص هذه الترجمة التي تميل إلى الإنجليزية الكلاسيكية ذات الظلال الشكسبيرية، ويتوقف عند الفارق بين النصين العربي والإنجليزي فقرةً فقرة، كاشفًا عن روحٍ جمالية تتجاوز حدود النقل المباشر إلى إعادة خلق شعرية كاملة.

يظهر في الترجمة طيف الإنجليزية الإليزابيثية بما فيها من بناءٍ للجملة ونبرةٍ تراجيدية وامتدادٍ موسيقي يمنح المشهد وزنًا دراميًا عميقًا. فالجمل الطويلة والإيقاع الهادئ والمفردات ذات الوقع التاريخي تجعل القارئ يسمع صدى الخطابة الشكسبيرية، كما في عبارة: “No truce with time, / No truce with death”. هذه الروح الكلاسيكية لا تأتي تزويقًا شكليًا، بل تُكسِب النص بعدًا نفسيًا يناسب موضوع الحرب والمنفى والحنين.

لا يتعامل المترجم مع النص بوصفه قالبًا مغلقًا، بل فضاءً قابلًا لإعادة البناء الفني. فهو ينقل الصورة ثم يعيد تشكيلها بروحها العميقة، فيترجم عبارة “على حافة البحر منذ ألف عام” إلى: “We have lingered by the sea’s blue edge / For a thousand years and more”. يضيف اللون، ويعطي الحركة اتساعًا، ويمنح الحنين طبقة شعرية جديدة دون أن يفقد الأصل صدقه أو دقته.

وتحافظ الترجمة على ثلاث ركائز أساسية: اللون، والذاكرة الفلسطينية، والرغبة الإنسانية في النجاة والعودة. تظهر هذه الأركان في مفردات منتقاة بعناية: البحر، الجبال، الظلال، الورد، الجدة، الجغرافيا الفلسطينية، والمنافي. المترجم هنا لا يسمح للإنجليزية أن تجرد النص من رائحته الأولى؛ بل يصرّ على حمل الذاكرة كما هي، نابضةً وشاهدة.

وتبرز موسيقى الجملة بوصفها أحد أهم عناصر الترجمة. فالجمل الممتدة تحافظ على أنفاسها، والوقفات الداخلية تُحدث توازنًا موسيقيًا، والتكرار المقصود يضفي إيقاعًا أشبه بمراثي الحرب: “No passports… / No checkpoints…”. هذه الموسيقى لا تنقل مشهدًا فحسب، بل تُبقي الجو الروحي للقصيدة حاضرًا.

ومع أن قصائد بيسان عدوان تمزج بين الشعر والسرد واليوميات، فإن المترجم يحافظ على هذا البناء الهجين دون أن يخلّ بالإيقاع، فيظل ترتيب الأحداث وتدفق الذكريات وثنائية الحرب والحب كما هي، لكن مع لغة إنجليزية أكثر وقارًا وعمقًا. وتتّجه الترجمة أحيانًا نحو الرمز، فتتحول بعض الصور من مشاهد مباشرة إلى فضاءات دلالية واسعة، كما في عبارة: “the sea, cradled between two hearts”، حيث يتسع المشهد ليغدو رمزًا للحب والخسارة والذاكرة في آن واحد.

وتظهر الدقة العاطفية في نقل الشحنة الوجدانية بين اللغتين، إذ تُترجَم عبارات مثل “صباح الخير يا وردتي” إلى “Good morning, my rose” بقدرٍ من النعومة والتوازن يحافظ على الحميمية دون زيادة أو افتعال. وفي مشاهد البيت والذكريات تتسع اللقطة في الترجمة، فتقترب من الإيحاء السينمائي، بينما يبقى النص العربي أكثر مباشرة وسردية. وفي مواضع أخرى، مثل ذكر “الجدة” أو “المجدل”، يضيف المترجم لمسات شعرية خفيفة تعمّق الإيحاء دون أن تعكر صفو الأصل، كقوله: “baking dreams”.

وفي مقارنة النصّين تظهر خيارات المترجم بوضوح. فالإهداء العربي مباشر وإنساني، بينما يبدأ الإنجليزي بجملة “Speak not of legends”، مانحًا العبارة جلالًا يرفعها إلى مقام المرثية. وفي وصف الزمن والحرب، تتحوّل “مرّت مائة يوم…” إلى جملة أعلى دراميًا: “Neither victory nor defeat”. وعند الحديث عن البحر والألف عام، يضيف المترجم اللون ليزيد من عمق الصورة: “sea’s blue edge”. في انتقالات أخرى يحافظ على الإيقاع، ويجعل السرد أكثر اتساعًا، ويكتفي بالبساطة حين يحتاج النص إلى احترام رمزيته، كما في “We named her Yafa”.

أما الشاعرة بيسان عدوان، فهي تمتلك قدرة استثنائية على تحويل الذاكرة الشخصية إلى وثيقة شعرية نابضة بالحياة. يجتمع في خطابها الوجدان والذاكرة الوطنية وتوثيق المنفى ونقد الفلسفات السياسية المعاصرة. في هذا الديوان تحديدًا، تسقط نظرية “نهاية التاريخ” على صخرة غزة، فيتحول الشعر إلى مساحة مقاومة للوجع وللسرديات الكبرى معًا.

ويبدو المترجم محمد فرحات قادرًا على احتضان هذه الروح من دون أن يخنقها أو يحولها إلى خطاب مرصوف بالحرفية الجامدة. فهو شاعر قبل أن يكون مترجمًا، ذو حساسية لغوية تجعله يعيد كتابة النص بروح تحترم النبرة الفلسطينية، مستفيدًا في الوقت ذاته من وقار الإنجليزية الكلاسيكية.

ويتضح من مجموع هذه العناصر أن النص العربي يبقى أكثر قربًا من الأرض: واقعيًا، حميمًا، مكثفًا. فيما يمنح النص الإنجليزي التجربة اتساعًا رمزيًا أكبر، ويصعد بها إلى مستوى الأسطورة الإنسانية. ولا يكتفي محمد فرحات بعمل نقلي، بل يهب النص حياة ثانية في لغة أخرى دون أن يفرّط بروحه الأصلية.

ويُختتم المقال بلمسة شخصية من الكاتب، إذ يأمل الدكتور إلياس المرزوق أن يرى هذه الترجمة منشورة قريبًا، لما يمكن أن تحدثه من توسيع لجسر التواصل بين ما حدث ويحدث في فلسطين وبين الذهنية الأوروبية. فالنص المترجَم موجّه إلى العقل الأوربي والروح الإنسانية معًا، يفتح نافذة لفهم أعمق للمعاناة، وللإحساس بما تحمله أصوات الأطفال من قدرةٍ على مساءلة العالم وإيقاظ ضميره، لعل الشعر يظل قادرًا على أن يذكّر البشر بما حاول التاريخ نسيانه.