الجمهورالعربي ووسائل الاعلام


نهاد ابو غوش
2025 / 12 / 2 - 04:47     

نهاد أبو غوش

لا يمكننا الحديث عن جمهور عربي موحد ومنسجم في خياراته وتفضيلاته، لا على مستوى العالم العربي، ولا حتى على مستوى القطر الواحد، ربما كان ذلك صحيحا في زمن مضى، وبشكل نسبي كذلك وتحديدا في فترة المد القومي والناصري حين كان الجمهور العربي من المحيط إلى الخليج يترقب خطابات جمال عبد الناصر الذي كان يبث من الإذاعات المصرية. لكن مياها كثيرة جرت تحت الجسر وتبدلت الأنظمة وحصلت الثورات المتلاحقة في وسائل الإعلام والاتصال، وظهرت أنماط جديدة للإعلام، ويمكن لنا أن نعدد مجموعة أسباب موضوعية وذاتية تؤثر على علاقة الجمهور العربي بالإعلام سواء كان عربيا أو غربيا، ومن بينها
فشل "الدولة الوطنية" في عديد الدول العربية على مختلف مستويات التنمية والحريات العامة والاستقلال الفعلي عن التبعية، وانزلاق عدد من البلدان إلى حروب وأزمات داخلية مريرة ساهمت في تمزيق الهوية الوطنية الجامعة وبروز الهويات الفرعية الطائفية والعرقية والجهوية.
التفاوت الحاد في مستويات الثراء والدخل وتأثير ذلك على مستويات المعيشة والتعليم والوصول إلى التكنولوجيا، وبالنتيجة التأثير الكبير على خيارات الجمهور وبخاصة فئات الشباب لجهة مواقفها من القضايا المركزية مثل الموقف من قضية فلسطين، والوحدة العربية، الموقف من الغرب ونماذجه الحضارية والاستهلاكية والثقافية.
غياب الديمقراطية والحريات والحقوق المدنية، ووقوع الجمهور تحت تأثير تيارات سياسية ايديولوجية يعمل كير منها بوسائل سرية وعنيفة في مواجهة الدولة وأجهزتها الأمنية.
الثورة العارمة في وسائل الاتصال من فضائيات وإذاعات محلية وعالمية، والإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي وصولا إلى انتشار الهواتف الذكية وظهور صحافة المواطن.
مزيد من الاهتمام من قبل الدول الكبرى والدول الاقليمية المركزية(لأسباب سياسية واقتصادية) بالمنطقة وشعوبها وظهور عدد كبير من المحطات الفضائية والإذاعات الموجهة للجمهور الناطق بالعربية (بي بي سي، الحرة سابقا، فرانس 24، روسيا اليوم، تي ار تي، القنوات الصينية والايرانية، وغيرها) كما أن لدى هذه المحطات منصات متعددة ونشطة على وسائل التواصل)
إذن أصبح المواطن العربي كما غيره من الشعوب الأخرى، أمام كم وافر من الخيارات التي تلائم ثقافته ورغباته وميوله، أو تنسجم مع قناعاته، ولم يعد أسيرا لإعلام دولته الرسمي المقنن و الخاضع للرقابة، في السابق كانت محطة bbc محل ثقة فئات واسعة من الجمهور العربي على الرغم من مواقف بريطانيا العدائية تجاه القضايا العربية، لكن الدرجة العالية من المهنية والاحتراف، وراهنية الأخبار التي تبثها المحطة، واتساعها ولو شكليا للآراء والمواقف المختلفة، جعلت قسما كبيرا من الجمهور ينشد لهذه المحطة الغربية، أما اليوم فيمكننا أن نقيس ثقة الجمهور العربي بوسائل الإعلام الغربي بالعوامل التالية
مدى المصداقية التي تبنيها الوسيلة الإعلامية وهذه عملية تراكمية تبنى عبر الشهور والسنين، ولكنها يمكن أن تنهار وتتحطم في ضوء تغطية منحازة أو غير نزيهة كما جرى خلال الحرب على غزة.
تاثر سياسات التحرير لدى وسائل الإعلام بسياسات الدول التي تتبع لها وتمولها، هذه المسألة ربما يكون من الصعب تلمسها وكشفها لدى الجمهور العريض، لكن البيئة العربية باتت زاخرة بالكفاءات والمختصين والصحفيين المجربين، وبالتالي صار من السهل كشف السياسات التحريرية المناوئة للقضايا العربية. كما أن وجود مئات وآلاف وسائل النقل المتاحة يمكن من كشف ونشر الآراء لدى مختلف وسائل الإعلام.
التنافس الشديد بين مختلف وسائل الإعلام الرسمية وشبه الرسمية والمستقلة والتجارية، يدفع مختلف وسائل الإعلام إلى العمل لتحسين أدائها ومنتجها الإعلامي وإلا سيكون مصيرها الفشل والتهميش وانعدام الأثر.
المهنية العالية في تقديم الخدمة الإعلامية، فبالإضافة إلى البرامج الوثائقية وبرامج المنوعات والترفيه، تتطلب الخدمات الإخبارية مزيدا من المهنية والاحتراف والراهنية، و المواكبة والمتابعة والسبق الصحفي، والاستقصاء، واستقاء الخبر من مصادرها الأولية وانتشار المراسلين، والإنفاق على البرامج والتغطيات المختلفة، والموضوعية والدقة والابتعاد عن لغة الشعارات والخطابات والوعظ، هذه الشروط يدركها المتلقي بحسه الطبيعي خلال سعيه للحصول على الخدمة الإعلامية، بينما يمكن للمختصين أن يلتقطوها ويبرزوها
إذن لم تعد وسائل الإعلام مجرد أبواق للدول التي تملكها وتمولها، بل باتت جزءا من الدبلوماسية الناعمة، بل يمكن القول أنها جبهة حقيقية للصراع على استمالة الجمهور وتشكيل وعيه والتأثير على مواقفه.
*من حوار مع الباحثة لارا عقلة