من أجل النفط
محمد عادل زكى
2025 / 11 / 30 - 02:51
منذ اللحظة التي انفتحت فيها الرأسمالية الأوروبيّة على زمن الصناعة، تبدّل موقع النفط في البناء الكوني؛ فقد خرج من حدود كونه مورداً للطاقة إلى فضاء أوسع، إلى موضع تتحرّك عنده السياسات الكبرى، وتتشكّل حوله خرائط النفوذ، ويتقرّر وفقه مسار التاريخ. ومعه ظهر نمط جديد من السيطرة، نمط لا يقوم على الاحتلال فحسب، إنما على إحاطة منابع الطاقة وما حولها بمنظومة كاملة من المؤسّسات والأساطيل والمعاهدات والعقوبات والواجهات الاقتصادية. كان القرن العشرون بمثابة إعلان واضح عن هذا التحوّل. فحين غيّرت الأساطيل الكبرى وقودها، لم يكن الأمر مجرّد تحديث تقني، وإنما انتقال عسكري وجيوسياسي شديد العمق؛ فالحرب الأولى جاءت لتكشف أن امتلاك مصادر النفط شرط لبقاء الجيوش في الميدان، ومع ظهور الدبابة والطائرة والغوّاصة تغيّرت قواعد القتال، وصار الوقود هو المُحدّد الأول لإيقاع الحرب. ومع نهاية المعارك، بدأت القوى المنتصرة في إعادة توزيع العالم حول آبار النفط: تمدّدت بريطانيا في إيران والعراق والكويت، وفتحت فرنسا لنفسها منافذ محدودة، وتطلّعت اليابان إلى الهند الشرقيّة، بينما كانت الولايات المتحدة تُثبّت خطواتها الأولى في الخليج، مدركة أن الزمن القادم هو زمن من يضمن التدفق الدائم للطاقة. وحتى اندفاع النازي نحو القوقاز لم يكن حركة عسكرية منفصلة، بل بحثًا عن استمرار آلة الحرب. إن الحروب التي شهدها القرن العشرون والقرن الحادي والعشرون تظهر بشكل جلي كيف يُسيطر النفط على مسار التاريخ؛ حرب العراق–إيران من 1980 إلى 1988 ضربت ناقلات النفط وموانئ الخليج وحقول البصرة، وفي 1990 غزا العراق الكويت، وتلتها حرب تحرير الكويت 1991، وكلها صراعات دولية صريحة حول السيطرة على النفط، بينما غزو العراق 2003 وما تلاه من صراع مسلح واسع كان الهدف منه التحكم بموارد جنوب البلاد النفطية وخطوط التصدير. وفي ليبيا، الهلال النفطي ظلّ مسرحًا لحرب دموية منذ 2011، وفي سوريا كانت حقول دير الزور والرميلان والعمر محور صراع مسلح متداخل مع قوى دولية، وفي السودان وجنوب السودان دارت حرب هجليج 2012 للسيطرة على حقول الوحدة، بينما امتدت الحرب في دلتا النيجر بنيجيريا لعقود، كما شهدت أنجولا صراعًا انفصاليًا طويلًا في كابيندا بسبب النفط، وفي الكونغو الديمقراطية كانت مناطق بحيرة ألبرت جزءًا من الحرب الكبرى بين 1998 و2003. كما أن ناجورنو كاراباخ شهدت حربًا بين أذربيجان وأرمينيا لها صلة مباشرة بممرّات النفط نحو أوروبا، وما تزال أوكرانيا منذ 2014 في مواجهة مسلحة مرتبطة بالسيطرة على موارد البحر الأسود. لقد تأسس بعد الحرب الثانية، النظام العالمي الجديد على إيقاع الطاقة. وأصبح "أمن الدولة" مرتبط بشكل مباشر بحماية تدفّق النفط، الأمر الذي جعل الولايات المتحدة تتحرك عبر شبكة واسعة من القواعد والتحالفات والمساعدات، وكل خطوة كانت تُبنى حول ممرّ أو حقل أو خط أنابيب. وفي قلب تلك الشبكة كانت إيران، فحين اتخذ محمد مصدق قرار التأميم، لم يُواجَه بسبب خيار سياسي داخلي، ولكن بسبب مساسه جوهر المنظومة التي نُسج حولها النفوذ الغربي. وفي التوقيت ذاته أخذت واشنطن ترسّخ وجودها في السعودية والخليج ليُعلن لاحقًا ما عُرف بعقيدة كارتر، التي ربطت نفط المنطقة بالأمن القومي الأميركي ربطًا مباشرًا. وفي السبعينيات، بدا للحظة أن ميزان القوة يمكن أن يهتزّ؛ فقد استخدمت الدول العربية النفط كأداة ضغط في 1973، ولم يدم الاضطراب طويلًا، فقد عالج الغرب الصدمة بإنشاء مخزونات استراتيجية، وتعزيز التحالفات العسكرية، ومعالجة أدوات السُّوق، حتى لا تتكرر اللحظة من جديد. تتكرّر الصورة ذاتها في كل مكان فلقد أصبح النفط بل وحدة قياس للسيادة ولم يعد مورداً اقتصاديًا فحسب. وبالتالي؛ من يتصرّف خارج المنظومة العالمية يجد نفسه محاصرًا، ومن يُجرّب التسعير خارج الدولار يُدفع إلى الهلاك، ومن يُصرّ على استخراج موارده وفق قرار وطني مستقل يُواجَه بآليات إسقاط متعددة. فالعالم، في صورته الراهنة، يُصاغ حول خطوط الطاقة، لا حول المبادئ السياسية الفارغة.