الحداثة: تحرير أم استعمار جديد للعقل؟
محمد عادل زكى
2025 / 11 / 27 - 00:16
منذ بدأتُ في نقد الاقتصَاد السِّياسي، كعلم اجتمَاعيّ، أوروبيّ النَّشأة والنكهة، كانت "الحداثة" بالنسبة لي نمطًا من التفكير جرى فرضه على العالم فرضًا تحت ستار إعمال العقل وتقديس العلم، ولم تكن مجرد مرحلة تاريخيَّة. وبالتَّالي، لم أكن يومًا من أولئك الذين ينظرون إلى الحداثة باعتبارها خلاصًا، أو مرحلة ضرورية في تطور الْوعي الإنسانيّ؛ إذ كنت دائمًا ما أنظر إليها كلحظة عُنف، لحظة جرى فيها إعادة تشكيل العالم وفق منطق أحادي يزعم العالميَّة، ويدَّعي أستاذية العالم، بينما لا يعترف إلا بالذَّات الأوروبيَّة التي أرخت للعالم ابتداءً من تاريخها. فالحداثة لم تأت إلينا إلا محمولة على حراب المستعمرين، وعلى السّفن التي رست على سواحلنا لتفرغ عقولنا من ذواتها، لا لتنهب خيرات بلداننا المنكوبة فحسب. لقد أتت الحداثة بكل عدوانية وليس عبر موسوعات الفلاسفة وكتب التنوير، كما تم تسويق ذلك وترسيخه في أذهاننا المستعمرة. فنحن، في الأجزاء المتخلفة من النظام الرأسمالي العالمي، لم نولد داخل الحداثة، إنما صُعقنا بها، تلقيناها كهجوم خارجيّ. كانت صدمة حضاريَّة، كانت غارة سريعة على وعي هش، جرّد من خصوصيته التاريخيَّة. لقد عايشت، عبر قراءتي لكتابات بتي، وكانتيون، وكينيه، وسميث، وريكاردو، ورامساي، ومالتس، ورودبرتوس، وماركس، كيف بنت الحداثة نفسها من خلال مفهوم السُّوق، وكيف تحوّل الاقتصاد من نشاط اجتماعي غائي إلى منظومة تُنتج الإنسان كما تُنتج السلعة. إن كل مفاهيم التقدم التي تسكن خطاب الحداثة، وكل مسلَّمات الحرية الفرديَّة والعقلانيَّة، كانت، في العمق، مجرّد أدوات لإعادة إنتاج السيطرة وليس لتحرير البشر. ماركس ذاته، الَّذي حاول أن ينتزع هذا الْوعي من قبضة الرَّأسمال، سقط هو نفسه في فخ الحداثة حين افترض أن التَّاريخ يسير وفق خط تطوري واحد يستلهم تطوره من تاريخ أوروبا، وأن المجتمعات جميعها ستسلك الطريق ذاته. أن الحداثة، كما وصلت إلينا، كانت بمثابة نظام مغلق، وليست سُؤالًا نقديًا مفتوحًا، نظام يفرض منطقه كقانون طبيعي، ويقيس كل ما عداه بوحداته. حتى الزَّمن، الذي كنت أدرسه كعامل مغفَل في تشكيل القِيمة، تم تحويله داخل خطاب الحداثة إلى أداة انضباط، وسلاح بيد الرّأسمال لتنظيم الحياة وليس من أجل تحريرها من عبثيتها وقسوتها. ولذلك، فإن معركتي الفكريَّة مع الحداثة لم تكن إلا مع جوهر المصطلح، مع بنيته التي احتقرت كل ما هو خارجها، وحوّلت العالم إلى سوق واحدة، ومصنع واحد، وتاريخ واحد. ولهذا فإن مناهضة الحداثة لا تعني العودة إلى الوراء، بل تعني التمرُّد على سلطة الوصاية الفكريَّة، على الفرضيَّة التي تجعل من مسار أوروبا المسار الوحيد الممكن تاريخيًا. لقد خُدِعَنا كثيرًا بخطاب التقدّم، وعلينا أن نتوقف. ليس لأن التقدّم في ذاته باطل، إنما لأن المقياس الذي صاغوه للتقدّم لم يُبْنَ علينا، ولا من أجلنا، إنما بُنِي ضدنا. فلا يستقيم أن نقيس تحررنا بمقاييس من سلبونا أرواحنا الخلَّاقة. ولا معنى لأي وعي نملكه إذا كان منسوخًا عن أداة الهيمنة نفسها. ومن ثم، فالسُّؤال لم يعد: "كيف نلتحق بالعصر؟"، إنما: "أي عصر نريد أن نخلق؟ ولكن، إجابتنا عن هذا السؤال، سؤال: أي عصر نريد أن نخلق، لا يمكن أن تأتي صحيحة إلا ابتداءً من موقف، ناقد، ورافض للمركزية الأوروبية، فلقد كانت الهيمنة الأوروبيَّة على العالم، منذ نهضتها الحديثة، بالأساس هيمنة رمزيَّة، ومعرفيَّة، وتاريخيَّة، ولغويَّة، أي هيمنة على الإنسان من حيث هو كائن تاريخيّ/ ثقافيّ، ولم تكن مجرد تفوُّق تقنيٍّ أو عسكريٍّ أو اقتصاديٍّ، فالحضارة الأوروبيَّة احتكرت منذ نشأتها معنى الانتصار، ولم تكتفِ به، ومحت من الوجود التَّاريخي كل ما، ومَن، لا ينتمي إليها أو يمر عبرها. إنها حضارة استبطنت التَّفوُّق كحقٍّ معرفي يجعل منها المرجع الوحيد الممكن لقياس الإنسانيَّة. لقد أنتجت أوروبا "علمها" الحديث، لا من خلال حوار معرفيّ جدليّ مع الحضارات الأخرى، وإنما عبر فصل معرفيّ قسري بين ما يُسمى "العقل الأوروبي" و"الشرق الأسطوري". فتاريخ العلم يبدأ في السردية الأوروبيَّة باليونان، ولكن باليونان المبتورة عن جذورها الشرقية، والَّتي، بالتَّالي، قدّمت في إطارٍ "غربي نقي"، كأنما الفكر ولد خالصًا، عقلانيًا، ويونانيًا، وأبيض! فلم تكن اليونان تلك الَّتي كانت ضِمن الفضاء الشرقي، الممتزج بالفكر المصري والبابلي والفينيقي. وعلى هذا النحو، أعادت أوروبا تركيب الزَّمن، وجعلت من تاريخها تاريخًا عالميًّا، ومن لحظاتها الكبرى، مثل عصر الأنوار والثورة الصناعيَّة، مفاصل لتاريخ الإنسان كلّه، دون اعتبار لغيرها من التواريخ. وبالتالي جعلت من تاريخ الشعوب الأخرى مجرد ظلٍّ لتاريخها، وأعادت تأريخ العالم المُستَعمَر انطلاقًا من لحظة استعمارِه، فكأن هذه الشعوب لم تكن شيئًا قبل دخولها سجلّ الهيمنة. فالهند لم تكن حضارة عريقة، بل كانت "أرض العجائب المتخلفة"، وأفريقيا لم تكن سوى "قارة بلا تاريخ"، والعرب لم يكونوا إلا بدو في صحراء حارقة، حتى أضاءت عليهم "أنوار الغرب". بهذا الشكل، أصبحت السردية الأوروبيَّة هي السرديَّة الوحيدة المسموح لها بالكلام باسم الإنسان. فهي الَّتي تعرِّف "الحداثة"، و"الدين"، و"العلم"، و"الحق"، و"الحرية"، و"الهوية"، و"المعنى". أما ما يخرج عن هذه القوالب، فهو إما فلكلور شعبيّ، أو تخلّفٌ يجب تخطِّيه. والأخطر من ذلك أن أوروبا المنتصرة أقصت وألغت حضور غيرها من الشعوب من سجلّ الذاكرة الجماعية للبشرية. فهي لم تكتف بفرض مفاهيمها فحسب، فالدين لم يعد تجربة روحية متعددة المشارب، بل صار "المسيح الأبيض"، بملامحه الأوروبيَّة، يتصدَّر كل تمثُّل للإله، في حين أُقصيَ يسوع التَّاريخي، الشرقي، والفقير، والثَّائر. فاللاهوت تحوّل إلى أداة إمبريالية، تُمجِّد شعبًا مختارًا جديدًا هو الإنسان الأوروبي، وتُقصي كل ما هو غير أوروبي على أنه وثني، أو غامض، أو غبي، أو شرقي! وكذلك السياسة، فهي رواية أخرى من روايات التفوُّق المقدس. فالديمقراطية الأوروبيَّة تقدم كنموذج عقلاني ومتحضر وحيد. وكل ما عداه من نُظُم، سواء كانت ملكية شرقيَّة أو مجتمعات بلا دولة أو تنظيمات بدوية أو تقاليد شورى أو إمارات مدنيَّة أو مجالس قَبَلية، يُعتبر انحرافًا عن "الخط التقدمي للحضارة". هكذا احتكرت أوروبا صورة المستقبل، إذ لم تكتفِ باحتكار الماضي. أما اللغة فقد صارت بدورها أداة استعمار: فالإنجليزيَّة والفرنسيَّة والألمانيَّة هي لغات "الحداثة"، و"الجامعات"، و"العِلم"، و"الاقتصاد"، و"العقل"، وليست فقط لغات أوروبيَّة، بينما صارت العربيَّة والسواحيلية والفارسية والأمازيغية... مجرد لهجات، تراثية، عاطفية، لا تصلح للبحث، ولا تصلح للسياسة، ولا تصلح "للحداثة". أمَّا الثقافة، فأُعيد تعريفها أيضًا ضمن حدود القابلية الأوروبيَّة للفهم. صار الفن، مثلًا، هو اللوحة الأوروبيَّة، وصارت الموسيقى هي الأوركسترا، وصارت المسرحية هي التراجيديا الإغريقية المعاد إنتاجها على الخشبة البريطانيَّة أو الفرنسيَّة. وكأنَّ الإنسانية، كلّها، لم تُنتج شيئًا ذا قيمة إلا ما أقرَّته الأكاديميات الأوروبيَّة. أنا لا أتحدث هنا عن هيمنة عسكرية أو اقتصادية فقط، إنما عن نظام معنوي متكامل يُنتج العالم ويُعيد تعريفه وفق مصالحه ومقاييسه. وهذا بالضبط ما يجعل من نقد هذه المركزية الأوروبيَّة مهمَّةً مزدوجة: فهي من جهة تفكيكٌ لأسطورة التَّفوق الأبيض، ومن جهة أخرى تحريرٌ للمعرفة من استعمارها. إبتداءً من إيمان راسخ بأن الإنسانية لا يُمكن أن تتقدَّم ما لم تُصغِ لتاريخ من نُهِبَتْ حياتهم، لا تاريخ من نهبها.