من دون الحقيقة والعدالة، لن تنتهي الحرب


فهد المضحكي
2025 / 11 / 8 - 10:45     



ما هو مطلوب الآن، وبشكل عاجل، هو إنشاء محكمة جنائية دولية خاصة بغزّة برعاية الأمم المتحدة، على غرار المحاكم التي أنشئت ليوغوسلافيا السابقة ورواندا.

هذا ما قاله الكاتب الصحفي البريطاني سيمون تيسدل في مقالٍ نشرته صحيفة الغارديان البريطانية تحت عنوان «من دون الحقيقة والعدالة لن تنتهي الحرب».

في هذا المقال المترجم يذكر تيسدل: أن الرئيس دونالد ترامب يُصرّ على أن الحرب في غزّة انتهت. في حين إنها لم تنتهِ. صحيح أن العنف تراجع كثيرًا، لكن القوات الإسرائيلية، وفقًا لتقارير، قتلت نحو مئة فلسطيني وجرحت مئات آخرين منذ بدء وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر. ما زالت إمدادات الغذاء والمساعدات الإنسانية تخضع لقيود شديدة. والاحتلال مستمر، في غزّة والضفة الغربية على حد سواء. والمسؤولون الأمريكيون يخشون من أن يُخلّ رئيس الحكومة نتنياهو ومساعدوه بالاتفاق، كما فعلوا في الماضي.

وبالمثل، ما زالت عناصر من حماس وجماعات منافسة تقاتل. فالتنظيم المسلح لم يتخلَّ عن سلاحه، ولم تنسحب القوات الإسرائيلية بالكامل إلى الخطوط المتفق عليها. أما المقترحات الأمريكية بشأن الأمن وإعادة الإعمار، فلا تزال غامضة وافتراضية ومثيرة للجدل. لم تُعالج الأسباب الجذرية للحرب، وعلى رأسها إنكار السيادة والدولة للفلسطينيين. ما لم يتغير ذلك، فكل هذا سيشتعل مجددًا، عاجلًا أو آجلًا.

لكن، لنفترض على سبيل الجدال -والتأمل- أن ترامب على حق، وأن سلامًا مستدامًا بدأ يتشكل ببطء من بين أنقاض غزّة... فماذا بعد؟ العدالة هي ما يجب أن يحدث بعد ذلك. كما في غيرها من حالات «ما بعد النزاع»، فإن الأحياء والأموات في إسرائيل وفلسطين يستحقون إجراء محاسبة حقيقية.

جميع من ارتكبوا أو أشرفوا على جرائم حرب منذ 7 أكتوبر 2023، يجب أن يُحاسبوا على أفعالهم. لئلا ننسى، فثمة عدد لا يُحصى من الضحايا، على الجانبين، يعانون معاناة تستصرخ الاعتراف والإنصاف والتعويض، كذلك، لغرض تقليل خطر تجدد القتال، لا بد من تحقيق المساءلة ووضع حد للإفلات من العقاب.

وبشكل واضح، يجب ألا تمرّ الإبادة الجماعية دون عقاب. ومن اللافت أن خطة ترامب «تاريخية»، التي يُفترض أنها ستُحدث تحوّلًا في الشرق الأوسط، والمؤلفة من 20 نقطة، لا تتضمن أية إشارة أو مسار نحو تحقيق رسمي أو علني بعد الحرب. كما أن الساسة الأوروبيين والعرب والبريطانيين الكبار صامتون أيضًا حيال هذه المسألة، وكأنهم يرغبون في إسدال الستار على الأحداث المخزية التي وقعت خلال العامين الماضيين.

أحد التفسيرات هو أن حكوماتها متواطئة، كلٌ بطريقته. وتفسير آخر هو أن الحرب كشفت ضعف نفوذهم- وفشلًا مجتمعيًا خطيرًا، استغله نتنياهو وبعض قادة الجاليات اليهودية في الخارج، فشل في التفريق بين معاداة السامية الفجّة والموقف الشرعي المناهض لإسرائيل أو للحرب.

يُقال أحيانًا إن النظر إلى الماضي يعرقل التقدم نحو المستقبل. هذا هراء. فالتجارب الإصلاحية في البحث عن العدالة والحقيقة والمصالحة في سيراليون والأرجنتين ورواندا وجنوب أفريقيا وكمبوديا ويوغسلافيا السابقة يُظهر أن العكس هو الصحيح. والدروس المستفادة من تلك التجارب تنطبق على الجميع.

إن المحاسبة ضرورة عاجلة. فنبدأ من القمة. فقد وجّهت المحكمة الجنائية الدولية العام الماضي اتهامات إلى نتنياهو ووزير حربه السابق يوآف عالانت بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، تشمل القتل والتجويع المتعمد.

ومن العيب أن يظلّ هذان الفارّان من العدالة طليقين. يجب على إسرائيل أن تسلّمهما، أو تواجه عقوبات صارمة. كذلك ينبغي التحقق العاجل في أقوال وأفعال شركاء نتنياهو من اليمين المتطرف، ولاسيما إيتمار بن غفير وبتسلئيل سمرتريتش، وقادة الجيش الإسرائيلي الكبار.

يجب على نتنياهو أن يواجه العواقب في الداخل أيضًا. ففتح تحقيق مستقل في إخفاقات الأمن في السابع من أكتوبر أمر أساسي. والآن بعد أن «انفجر السلام» يجب أن تُختتم سريعًا محاكمته المؤجلة منذ زمن في قضايا الفساد. أما مطالبة ترامب بالعفو عنه في ذاتها فعل فاسد بعمق.


لقد صدمت أفعال الجيش الإسرائيلي في غزّة الرأي العام العالمي وألحقت ضررًا بسمعة إسرائيل. والحكم العالمي بات واضحًا: لقد انتهك الجيش الإسرائيلي عن علمٍ وبشكل منهجي القانون الدولي والإنساني (بما في ذلك اتفاقيات جنيف)، وارتكب جرائم حرب عبر استهداف المدنيين عمدًا.

وإذا كان هذا الحكم ظالمًا، لما يسميه نتنياهو -بجدّية تامة- «الجيش الأكثر أخلاقية في العالم»، فإن تحقيقًا مستقلًا خارجيًا قد يُنصفه. من الصعب تتبع كل الفظائع، فضلًا عن محاكمة المسؤولين عنها. ففي مارس، أعدم 15 من المسعفين وعاملي الإنقاذ الفلسطينيين، بحسب الأمم المتحدة. وفي إبريل، قُتلت المصوّرة الصحفية فاطمة حسون وستة من أفراد أسرتها في غارة جوية على منزلهم في مدينة غزّة. وفي يونيو، أطلق النار على مدنيين كانوا يبحثون عن المساعدات الغذائية، في حادثة من حوادث عدة مماثلة. هذه أمثلة حديثة على ما يُدّعى أنه جرائم حرب ارتكبها الجيش الإسرائيلي، اختيرت عشوائيًا.

أصدرت منظمتان إسرائيليتان في مجال حقوق الإنسان تقريرين منفصلين خلصا إلى أن تصرفات حكومة نتنياهو في قطاع غزّة ترقي إلى مستوى الإبادة الجماعية وهو اتهام سبق أن وجهته منظمة حقوق الإنسان وحكومات أجنبية، إلا أنها المرة الأولى التي يصدر فيها الاتهام عن جهات إسرائيلية، وفقًا لصحيفة واشنطن بوست.

تواجه إسرائيل اتهامات من الأمم المتحدة والعديد من الحكومات ومنظمات حقوق الإنسان وخبراء القانون ومحاكم «شعبية» غير رسمية، بارتكاب إبادة جماعية في غزّة، وهو ما تنفيه. لكن وفقًا لبعض التعريفات القانونية -كاستخدام الغذاء سلاحًا والنقل والترحيل القسري- فإن «أعمال إبادة جماعية ما زالت جارية رغم وقف إطلاق النار. وبعد أن تحدّت جنوب أفريقيا ودول أخرى تصرفات إسرائيل، وجدت محكمة العدل الدولية في يناير أن ثمة خطرًا ملموسًا بوقوع إبادة جماعية. ومع ذلك، قد لا يصدر الحكم النهائي حتى عام 2028، وهو تأخير غير مقبول- ثم إن المحكمة لا تملك سلطة إنفاذ قراراتها.

مرة أخرى يقول: «ما هو مطلوب الآن، وبشكل عاجل هو إنشاء محكمة جنائية دولية خاصة بغزّة برعاية الأمم المتحدة، على غرار المحاكم التي أنشئت ليوغوسلافيا ورواندا. ينبغي أن تُمنح هذه المحكمة صلاحية فحص كل جوانب سلوك إسرائيل وحماس أثناء الحرب، ولاسيما تجاهلهما المشترك لحياة المدنيين وقتلهما وتعذيبهما وسوء معامتهما للرهائن والمعتقلين. وينبغي أن تراجع المحكمة أيضًا القرارات السياسية المتخذة أثناء الحرب، وما إذا كانت أطراف ثالثة مثل الولايات المتحدة وإيران، اللتين قدمتا الدعم للطرفين المتحاربين، تتحملان مسؤولية مشتركة عن النتائج القانونية. كما يجب تقييم مسؤولية دول مثل المملكة المتحدة التي زوّدت الجيش الإسرائيلي بالسلاح. ولإطلاق هذه العملية يجب فتح غزّة بالكامل أمام محققي الأمم المتحدة والصحفيين الدوليين فورًا».

إن إنشاء محكمة دولية تمتلك صلاحية معاقبة الجناة وتعويض الضحايا هو الدواء الضروري لجرائم غزّة المروّعة التي هزّت العالم. الأمر لا يتعلق بالانتقام، بل بالعدالة والإرادة السياسية. فالمحكمة لا تستطيع تغيير ما حدث، لكنها يمكن أن تساعد ضمان ألا يتكرر. وطالما لم يتحقق كشفّ كامل وصادق للحقيقة، لن تنتهي هذه الحرب حقًا.