عنصرية الحركة الصهيونية في الفكر والممارسة (1 من 3)
نهاد ابو غوش
2025 / 11 / 3 - 02:21
نهاد أبو غوش
لم يكن من باب الصدفة أن الجمعية العامة للأمم المتحدة صنفت الحركة الصهيونية كحركة عنصرية بقرارها التاريخي رقم 3379 لعام 1975 الذي جاء حصيلة إنجازات لمنظمة التحرير الفلسطينية ولحركة التحرر العالمي وحرب أوكتوبر، لكن هذه القرار لم يعمر طويلا وجرى التراجع عنه بموجب القرار 86/46 بعد موافقة إسرائيل على المشاركة في مؤتمر مدريد، مع أن الواقع الحالي وثبوت ارتكاب إسرائيل لجرائم الإبادة والتطهير العرقي، ومضيها دون تردد في بناء نظام احتلالي فريد يجمع الاحتلال والاستيطان مع نظام فصل وتمييز عنصري تجاه الفلسطينيين ما يحتم على القوى الديمقراطية في العالم العودة للنضال والمطالبة بإعادة تصنيف الصهيونية كحركة عنصرية وفق القرائن والأدلة الدامغة ومعاملتها على هذا الأساس بالمقاطعة والعزل والنبذ كما كانت الحال مع نظام بريتوريا العنصري في جنوب افريقيا وروديسيا.
استندت الحركة الصهيونية عند نشأتها إلى فكرة عنصرية خالصة مفادها أن "اليهود" هم شعب متفرد ومختلف عن بقية الشعوب، وبالتالي يستحيل عليهم أن يعيشوا بأمان بين ظهراني غيرهم من الشعوب، وعليهم البحث عن مكان خاص بهم يقيمون فيه دولتهم الخاصة. ومع أن مؤسسي الحركة الصهيونية في بدايات نشأتها هم في غالبيتهم من المحسوبين على التيارات العلمانية بما فيها تيار الاشتراكية الديمقراطية، إلا أنهم بنوا نظريتهم هذه على الفكرة التوراتية والأسطورية التي تصف اليهود بانهم "شعب الله المختار" وهكذا تداول مؤسسو الحركة الصهيونية عددا من الخيارات لإقامة دولتهم الموعودة، وطرح خيارات كثيرة من بينها الارجنتين، واوغندا، وصحراء سيناء وليبيا وفلسطين بالطبع التي كانت واحدة من الخيارات لكنها لم تكن خيارا حصريا ولا رئيسيا. واستندت الحركة الصهيونية كذلك إلى أزمة أوضاع اليهود في أوروبا الذين كانوا يواجهون معاملة تمييزية سيئة عكست نفسها في كل مجالات الحياة بما فيها الأدب ( شيلوك في مسرحية شكسبير تاجر البندقية) والفكر والسياسة (قضية دريفوس في فرنسا) ونشير هنا إلى ان القضية اليهودية كانت مطروحة في صفوف القوى الثورية في أوروبا حيث تطرق لها كارل ماركس في كراسه الشهير "المسألة اليهودية" حيث خلص إلى أن حل القضية اليهودية يكون بإلغاء الاستغلال الرأسمالي. وفي هذا السياق الثوري وجد البلاشفة صيغة للتعامل مع نزعة اليهود للتفرد والتميز والخصوصية من خلال التحالف مع الحزب الاشتراكي اليهودي (البوند)، ولاحقا من خلال تخصيص كيان فيدرالي روسي في أقاصي شرق روسيا وعلى حدود منغوليا هو أوبلاست بيروبيجان الذي ما زال قائما وتزيد مساحته عن مساحة فلسطين التاريخية.
ولم تتحول خيارات الحركة الصهيونية إلى فلسطين بشكل حاسم إلا مع احتدام الصراع العالمي وتفاقم أزمة الدولة العثمانية التي بدأت الدول الأوروبية الطامحة تفكر في كيفية اقتسام "أملاك" الدولة العثمانية. وهنا يمكن القول أن نشوء الحركة الصهيونية ترافق مع تحولات عالمية وثيقة الصلة بأوضاع اليهود ومن بينها انحلال وتفكك الدولة العثمانية، وتفاقم ازمة اليهود سواء الطبقات الدنيا والعمال منهم الذين كانوا معزولين في غيتوهات، أو البرجوازية المتوسطة التي احترف أثرياؤها أعمال الصرافة والربا وسائر الأعمال المالية وتدهورت احوالهم نتيجة التحولات التي جرت على النظام الراسمالي وانتقال الرأسمالية إلى مرحلتها الامبريالية من خلال اندماج رأس المال المصرفي مع الصناعي ونشوء راس المال المالي، إلى جانب تنافس القوى الامبريالية إلى إعادة تقاسم العالم والأسواق وحاجتها إلى ركائز استعمارية تساعدها في فرض نفوذها العسكري والاستعماري، ولهذا السبب بالذات ليس غريبا ان أول من تبنى فكرة الدولة اليهودية في فلسطين كان نابليون بونابرت الذي هزمت حملته على مصر وفلسطين، كما هزمت فكرته عن الدولة اليهودية. لكن المناح الاستعماري العالمي كان مؤاتيا لقيام القوى الاستعمارية بإنشاء الدولة اليهودية التي كانت نتاج التقاء ثلاثة عوامل موضوعية هي مرض الدولة العثمانية وانحلالها وهزيمتها في الحرب العالمية الأولى، والتحولات التي جرت في النظام الرأسمالي واثرها على تفاقم أوضاع اليهود من جهة، وحاجة الدول الاستعمارية إلى إعادة تقاسم العالم.
حافظت الحركة الصهيونية على علاقاتها الوثيقة مع المراكز الاستعمارية المتقدمة، وهنا يلاحظ أن قيادة الحركة الصهيونية ارتبطت بعلاقات تبعية مع قيادة النظام الرأسمالي العالمي مع: فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة على التوالين وعند احتدام التنافس والصراع بين جول الحلفاء ودول المحور (مع النازية) وجدنا جناحا في الحرة الصهيونية على علاقات ممتازة وتنسيق مع القيادة النازية ظل قائما حتى هزيمة النازية واندحارها.