الولاية الحادية والخمسون
نهاد ابو غوش
2025 / 10 / 31 - 18:11
نهاد أبو غوش
يكشف تجاهل الإدارة الأميركية لسيل التقارير التي وصلت لوزارة الخارجية ووثقت انتهاكات إسرائيلية فظيعة لحقوق الإنسان، عن حجم الشراكة الأميركية الإسرائيلية في حرب الإبادة ضد الشعب الفلسطيني. شراكة تنبئ عن مشاركة أميركية حقيقية في كل مراحل الحرب، بدءا من التمويل والتسليح وتوفير المعلومات الاستخبارية والمشاركة الفعلية في إدارة غرفة الحرب، وصولا إلى توفير الغطاء السياسي لمجرمي الحرب والحيلولة دون تمكين مجلس الأمن الدولي من اتخاذ اي قرار لوقف الحرب أو إدخال المساعدات من خلال استخدام حق النقض (الفيتو) ست مرات خلال الحرب في مواجهة إجماع دولي قل نظيره وشمل أقرب حلفاء الولايات المتحدة كبريطانيا وفرنسا . وصولا إلى تجريم المحاكم الدولية كمحكمة العدل الدولية، والمحكمة الجنائية الدولية، وملاحقة القضاة والمدعين العامين وكل من يرفع صوته في مواجهة الإبادة كما فعلت الإدارة في ملاحقة الحقوقية الأممية فرانشيسكا البانيزي المقررة الخاصة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة، فضلا عن الضغط على الدول التي شاركت في تقديم الدعوى ضد إسرائيل وفي مقدمتها دولة جنوب افريقيا.
التقارير التي تراكمت وتكدست في أدراج البيروقراطية الأميركية، وتقول المصادر الإعلامية ومن بينها صحيفة (واشنطن بوست) أن التقارير أكدت حصول مئات الخروقات خلال الفترة المحددة، وهو ما يتعارض بشكل صارخ مع قانون (ليهي) الأميركي الذي يحظر على الإدارة دعم أو تزويد اي دولة تنتهك حقوق الإنسان بخدمات أمنية وعسكرية. التقرير السري الذي كشفت عنه المصادر يستند إلى أكثر من خمسمئة تقرير فرعي وتفصيلي، وكان يمكن لو جرى التدقيق في 1% فقط من هذه التقارير التيقن من صحتها وبخاصة أن الانتهاكات والخروقات الإسرائيلية كانت تجري في بث حي ومباشر، ووثقتها عشرات المنظمات الدولية والمنظمات الحقوقية وتقارير الصحافة، بل واعترف بها عدد من القادة السابقين والحاليين لدولة الاحتلال والصحافة العبرية ومن بين الذين أكدوا عليها كل من وزير الدفاع السابق موشي يعالون(وهو ليكودي يميني في الأصل) ، وايهود أولمرت رئيس الوزراء السابق، ويائير جولان رئيس حزب الديمقراطيين وهو جنرال في الاحتياط شغل منصب نائب رئيس الأركان، وقال في أحد تصريحاته أن الجنود في قطاع غزة يتسلون بهواية قنص الأطفال الفلسطينيين. لكن إدارة الرئيس ترامب، لم تفعل شيئا ولم ترغب في فعل شيء مثلها مثل الإدارة السابقة للرئيس بايدن التي اعترف الناطق باسم وزارة الخارجية في عهدها ماثيو ميلر أن إسرائيل ارتكبت جرائم حرب.
كان يكفي صدور أي تقرير وهمي مفبرك، مثل المزاعم الإسرائيلية بحق وكالة الاونروا، والتي ثبت بطلانها لاحقا، حتى تسارع الولايات المتحدة إلى اتخاذ إجراءات فورية عقابية مباشرة كقطع التمويل، ومحاصرة وكالة الغوث وتبرير الهجوم الإسرائيلي عليها، ومن سخرية الأقدار أن سبع عشرة دولة غربية وحليفة للولايات المتحدة سارعت هي الأخرى إلى معاقبة الأونروا وقطع التمويل عنها من دون التحقق من الافتراءات الإسرائيلية حول مشاركة بعض موظفي الوكالة في هجوم 7 أوكتوبر. نفس الشيء يمكن أن يسري على دول مثل إيران وفنزويلا وروسيا وسوريا سابقا، لا شيء يدعو الولايات المتحدة للتحقق والتدقيق، بينما مئات التقارير والأدلة الدامغة في حرب الإبادة لا تحرك الإدارة الأميركية لفعل شيء.
لا يمكن التذرع بالأسباب البيروقراطية لتفسير هذا الاستثناء الذي تحظى به إسرائيل، فدولة كالولايات المتحدة لديها قدرات استخبارية فائقة، تفوق ما لدى كل دول العالم مجتمعة، ولديها جهاز وظيفي يمكنه متبعة أدق التفاصيل والخروج بنتائج في اسرع وقت ممكن، كما لا يمكن تفسير الخلل في نقص الأدلة أو الطبيعة البطيئة للإجراءات على طريقة محكمة العدل الدولية. لكن شيئا خلف كل ذلك وفوق كل ذلك يدفع الإدارة الأميركية إلى غض الطرف عن كل أعمال إسرائيل وجرائمها عبر تاريخ القضية الفلسطينية، وهذا الشيء هو ما يعطي إسرائيل مكانتها الاستثنائية ليس كدولة تحظى بعلاقات صداقة ممتازة أو مميزة (مثل بريطانيا مثلا) بل كدولة تتمتع بعلاقات عضوية مع إسرائيل، إلى الدرجة التي يصف بها البعض إسرائيل بأنها الولاية الواحدة والخمسين للولايات المتحدة. وهي تلعب أدوارا أمنية وعسكرية وسياسية لخدمة مصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط كما في العالم أجمع. وتحظى إسرائيل بأعلى معدلات الدعم الأميركي المالي والعسكري سواء بالنسبة لنصيب الفرد من هذه المساعدات أو بالنسبة لحجمها الإجمالي، ويصل حجم المساعدات السنوية بمختلف اشكالها ( مساعدات مالية مباشرة، مساعدات عسكرية، تبرعات مؤسسات أهلية، معاملة الدولة الأولى بالرعاية والتفضيل، استثمارات حكومية في مشروعات أمنية وعسكرية) في سنوات السلم إلى نحو عشرة مليار دولار، أي بمعدل يزيد عن ألف دولار سنويا للفرد الواحد، وهذا القدر من المساعدات يثير حفيظة أوساط واسعة من الجمهور الأميركي وبخاصة أن جزءا مهما من هذه المساعدات يخصص لنفقات اجتماعية وصحية تعزز رفاهية الأفراد الإسرائيليين بينما يحرم الأميركيون أنفسهم من مثل هذه الامتيازات.
يصف بعض الدارسين إسرائيل بأنها مخلب قط أميركي أو كلب حراسة، أو حاملة طائرات أميركية بل أنها أقل حاملات الطائرات كلفة مادية وبشرية قياسا بالجدوى العسكرية والأمنية التي توفرها إسرائيل.