حول الثرثرة الرقمية


عذري مازغ
2025 / 10 / 30 - 04:50     

أكبر مصيبة في هذا العصر الرقمي هي الثرثرة، فيما مضى كان من السهل أن تتجنبها بالابتعاد مسافة قصوى عنها، الآن من الصعب تجنبها إلا إذا رميت عنك كل ما هو رقمي أو أن تعتمد بدائل رقمية أخرى كالتي يسمونها الآن بالذكاء الرقمي الذي يعتمد في الغالب نفس التلقين من الفضاء الذي فيه يشتغل من خلال عملية انتقاء ذكية، عقل جوجل (وهو تعبير مجازي مني ) مثلا يعتمد كل المعطيات التي شحن بها بعملية انتقاء تعتمد رصد المصداقية في الخبر، ويجب أن نعتمد في هذه "المصداقية" ذاتها نوعا من التنقيح الذاتية من خلال أسئلة الشكل بطرح تناقضات أخرى لتجد هذا الذكاء الفني الرقمي ينحاز نسبيا إلى كل القراءات المتوفرة لديه ليبدو لك مقنعا بشكل مختلف على الأقل على هؤلاء الذين ينتصبون في المشهد كمأثرين..
المؤثر حين يتحول إلى ذباب
يعتمد المؤثر في نشر قصاصته على خواريزمات معينة لثبات ذاته كناشر: تعدد المتابعين، نسبة الضغط على لايك، وكثرة التعليقات إضافة إلى نسبة المتابعة ثم عملية الأداء في الموقع الذي يشتغل من خلاله للحصول على علامة تميز ثم أيضا نسبة الإشهارات التي يتعاقد معها ليصل إلى ميزة موظف من داخل جدار بيته وهو من ناحية أمر مبرر باعتباره بائع قيم معينة (بائع قوة عمل فنية) وهنا طبعا تدخل الأيديولوجية، أي أنه ليصير كذلك يلزمه شروط يفرضها المانحين له او بعبارة ضبابية تفرضها شروط التسويق في فضاء السوق السائد، لذلك ليس حرا في مادة تأثيره او في معلوماته التي يقدمها فهو في آخر المطاف ليس أكثر من عبد وسجين بضاعة هذا السوق السائد، اما إذا عمل عكس ما يستلزمه السوق الأيديولوجي فسيفتقد ميزة التأثير أو يسجن سجنا حقيقيا بتهم شتى كما نلمس في الواقع الحقيقي، ولنا نماذج كثيرة بدأت ملتزمة بشرط التسويق ولما انحازت إلى موضوعات الفضح السياسي لبست بتهم خارقة من قبيل ممارسة العهر، تلفيق تهم التحريض، المس بشخصيات عامة وغير ذلك من التهم المألوفة التي لو جرى فيها بحث جنائي علمي حقيقي لما سجنوا أصلا (أتكلم هنا عن ناس معروفين بنزاهتم وتطرقهم لقضايا موضوعية وإن كنت اختلف معهم أيديولوجيا فأنا ببساطة لا أصدق التهم التي بها سجنوا)، أما الرائعون الذين لا زالوا يسوقون وفق شروط المجتمعات السائدة أو المهيمنة فلا زالوا نشطين في عملية تهذيب اجتماعية لا طائل منها تلعب في كثير من الأحيان دور الكلاب الأليفة المكبوتة في جدار الشقق والتي تثير الكثير من الضجيج حين لا تخرج للفسحة والتضبع.
تبقى سمة تميز هؤلاء "المؤثرين" (بين مزدوجتين) هي كونهم ذباب لاسع يتجلى ذلك من خلال تقديم موضوعتهم المعلوماتية: يضعون خبر أصلي، يكررون تيمة الخواريزمات السابقة: الأمر بالاشتراك، الأمربالضغط على الجرس واللايك، إدخال الصلاة على النبي (بالنسبة للعرب المسلمين) وهي أمور مسجلة سابقا تعاد على راس كل موضوع "جديد"(الذي هو موضوع سبق نشره من طرف آخر) ثم عبارة اللسع الأخيرة: ضع "ما شاء الله في التعليق" لأجل الإكثار من التعليق ثم إذا كان صاحب التأثير متقنا للثرثرة سيبدأ في التحليل فيا ويلك إذا تتبعت تحليله، ستصاب بالكآبة، لأنه ببساطة سيولة كلمات حفظها عن ظهر قلب تعبر عن مكمن ولائه السياسي باعتبار الكل يصب في المطاف الأخير في التناقض الرئيسي الذي هو التناقض السياسي في شقه المهيمن.
ما ينطبق على المؤثر ينطبق على الذكاء الرقمي
لكن بشكل تفاوتي لأن الكائن البشري محدود فضاء تكوينه بينما الفضاءات الرقمية الذكية متسع أفق تشحينها باعتبارها مصب الفضاءات البشرية المشاركة فيها باعتبار كم المعارف عند الفرد الفردي ليس ككم المعارف لمجموعة أفراد منخرطة في موقع معين كجوجل أو كواتساب أو تويتر أو غيرها لذلك تبدو معارف الذكاء الرقمي أكثر اتساعا من ذكاء المؤثر، وبشكل أساسي، نظرا لما يتيحه الذكاء الرقمي من حرية أكثر من ذكاء المؤثر، يمكن، علاقة بالذكاء الرقمي، خلخلة المعطيات التثقيفية من خلال أطروحات التشكيك في سياق علاقات ذاتية بينك وبين الموقع، ذلك أن الذكاء الرقمي يتميز بلطف في الاختلاف: لا يمارس عليك ما يسمى بالعنف المعرفي كما يمارسه الفرد، تسأل مثلا جروك في تويتر: هل القهوة صحية؟
ــ نعم هي صحية وتطيل العمر(مع موضوعات أخرى لها علاقة بالقهوة)
ولما سألته: هل القهوة تثير أمراض سرطانية؟ اعطاني دراسات عن الامر، لم يوبخني او يتشبث برأيه الأول، هذا نموذج صغير في التعاطي بين الذكاءين، ذكاء المؤثر والذكاء الرقمي، والخلاصة انك مع الذكاء الرقمي لست مضطرا لتجرع رأي معين كالرأي السائد الذي يثيره المؤثر.
يظهر من هذا انك مع الذكاء الاصطناعي لا تصاب بالإشعاع المعرفي الذي يثيره الفرد والذي يدخل خانة التأليب الأيديولوجي، بينما الذكاء الرقمي يتيح هذه الفسحة من أن تسلم من الغرق رغم أنه هو أيضا جزء من الاشعاع المعرفي الذي في سياق التسويق الايديولوجي العام هو إشعاع كوني بفارق هو ان نميز التناقض في الموقع الكوني بين أن ننتمي إلى هذا أوذاك، والموقع هذا طبقي بالضرورة.
تحضرني نماذج مؤثرين كنت اتابعهم وطبعا لن اذكر أسماءهم لسبب موضوعي، لكن سأثير مشكلة تضرب عرض الحائط ما يقدمونه، كنت اتابع شلة من مؤثرين يحللون الحرب الروسية الأوكرانية والتي في الحقيقة تتماشى مع جزء من تصوري للصراع الذي عنوانه: حرب بين أوطان (الغرب) والإتحاد الروسي مع ان تصوري مختلف تماما مع العواطف التاريخية تجاه الاتحاد السوفياتي، وببساطة أنا مع هدم ما يسمى بالقطب الواحد، أنا مع الشيطان إذا حطم خرافة القطب الواحد وليس لي في الأمر عواطف تاريخية، لكن حين يأتي هؤلاء المؤثرون لتناول موضوع مغربي إثر حدث معين، اجد نفسي متناقض بسبب كوني مغربي أعرف الواقع المغربي جيدا، وحين يتناول هؤلاء المغرب بشكل غير موضوعي، أضرب عرض الحائط كل ما نقلوه لنا من تحليل حول الحرب الروسية الأوكرانية تلك لسبب موضوعي: كيف لهؤلاء وهم اقرب إلينا بجهل واقعنا الذي يحلٍّلونه بشكل غير موضوعي ان يحللوا وضع الحرب في أوربا وبأنا المنتصرة لتحطيم القطب الواحد. اما في المواضيع الخاصة بنا في المغرب فيمكن تفهمها في سياق الصراع الاجتماعي، فنحن لدينا صنفين من المؤثرين، صنف ذاق مرارة السجن وصنف ينعم بالثرثرة، الشعاع الملوث لمعرفتنا العلمية بواقعنا.