الولايات المتحدة وتهميش دور الأمم المتحدة
عديد نصار
2025 / 10 / 30 - 00:16
دأبت الولايات المتحدة الأمريكية في سياساتها الخارجية، أقله منذ انتهاء الحرب الباردة مع انهيار الاتحاد السوفياتي والكتلة الشرقية، دأبت على تحييد وتهميش دور الأمم المتحدة والمنظمات الدولية وعلى تجاوز القانون الدولي والاتفاقيات والمعاهدات الدولية التي تأسس عليها هذا القانون وتلك التي استندت إليه.
وقد شهدنا مؤخرا كيف تعاملت الولايات المتحدة الأمريكية في مجلس الأمن الدولي مع مشروع القرار الأخير لوقف إطلاق النار في غزة والذي تضمن وقفا نهائيا لإطلاق النار وإطلاق جميع الرهائن الإسرائيليين المحتجزين في غزة وفتح المعابر لإدخال المساعدات اللازمة لسكان القطاع بعد كل هذا الحصار والتدمير والمجازر اليومية بحقهم. فبالرغم من موافقة أربعة عشر عضوا في مجلس الأمن وقفت الولايات المتحدة مستخدمة حق النقض لتعطيل وإسقاط مشروع القرار.
بعد ذلك مباشرة رأينا وسمعنا الرئيس الأمريكي يندد بهشاشة وعجز المنظمة الدولية عن وقف الحروب ومنها الحرب على غزة! متبجحا بادعاء أنه تمكن أن يوقف سبعة حروب في العالم، ليتقدم بعد أيام قليلة بمبادرته "الشخصية" المكونة من عشرين نقطة لوقف الحرب! وهذه الحادثة ليست سوى استمرار لسياسة تهميش وتهشيم دور المنظمات الدولية التي دأبت عليها الولايات المتحدة منذ عقود.
نتذكر حرب اجتياح العراق بناء على ادعاءات أثبت كذبها لاحقا. الحرب التي شنت خارج إرادة المجموعة الدولية المتجسدة بمنظمة الأمم المتحدة ورغم رفض مجلس الأمن لتلك الحرب ومعارضة عدد من حلفاء الولايات المتحدة الأوروبيين لها ما خلق أزمة بين أوروبا والولايات المتحدة التي بادر قادتها الى إطلاق تسمية القارة العجوز على أوروبا تدليلا على السخرية والامتهان.
تجدُر الإشارة إلى أنَّ غزو العراق قوبِل بمعارضة شديدة من بعض حلفاء الولايات المتحدة الدائمين ومن بينهم حكومات فرنسا وكندا وألمانيا ونيوزيلندا حيث أكدت حكوماتها أنَّه لا يوجد أي دليل على وجود أسلحة دمار شامل في العراق وذلك بالاستناد الى تقرير لجنة الأمم المتحدة للرصد والتحقق والتفتيش المؤرخ 12 شباط/فبراير 2003 وأنَّ غزو ذلك البلد ليس مبرراً على الاطلاق.
وفي السياق ذاته فرضت الولايات المتحدة عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية والمدعي العام فيها كريم خان إثر إصداره مذكرة توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير حربه السابق يؤاف غالانت بتهمة ارتكاب جرائم حرب في قطاع غزة، ما يمثل اعتداءا سافرا على إطار قانوني دولي وعلى معاهدات دولية نافذة.
ومن المعلوم أن أهم ما يتوجب على مجلس الأمن الدولي من مهام تعرف عنه هو حفظ الأمن والسلم الدوليين مع ما يتطلب ذلك من قرارات وما يشتمل على اتفاقيات ومعاهدات تحت سقف القانون الدولي يرعاها هذا المجلس وصولا الى تكليف قوات دولية لحفظ السلام او الفصل بين متحاربين أو لفرض الأمن والسلم بالقوة استنادا الى مواد الفصل السابع من الميثاق الأممي.
لكن الولايات المتحدة كانت تتحاشى في كثير من المرات إسناد مهام حفظ الأمن والفصل بين المتنازعين بواسطة قوات دولية تابعة للأمم المتحدة، وهي منذ انهيار الاتحاد السوفييتي ترفض ذلك نهائيا وتسعى لانهاء مهام قوات الأمم المتحدة حيث أمكن كما هي الحال في جنوبي لبنان. وهي تعمل على الاستعاضة عن ذلك بقوات متعددة الجنسيات من خارج ولاية الأمم المتحدة ومجلس الأمن كما هو مطروح اليوم بشأن قطاع غزة.
نفهم من محاولات الولايات المتحدة الأمريكية تهميش المنظمة الدولية وتعطيلها أنها تسعى الى لعب دور شرطي العالم الذي يقرر وفقا لمصالحه من هي الحكومات الشرعية ومن هي قوى الارهاب في العالم ومن يعكر صفو الاستقرار هنا وبالتالي يجب ازاحته ومن يعمل على بسط الأمن هناك ويجب دعمه، لكن ما لا يمكن فهمه هو موقف دول العالم من هذا التوجه الامبراطوري التسلطي على العالم. وكيف جلس زعماء أوروبا كتلاميذ الصفوف الابتدائية أمام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعيد اجتماعه مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتن في آلاسكا (15 آب/أغسطس 2025) وكيف تابعوا حديثه بكل إصغاء وأدب، وكيف احتفى زعماء أكثر من ثلاثين دولة بحضور ذلك المهرج البرتقالي في شرم الشيخ (13/10/2025) بتملّق لايطاق!
وهنا، أمام هذا الانبهار والانحدار الى حدود الزحف الذليل من كبريات الدول الأوروبية والاسلامية والعربية أمام الزعيم العالمي البرتقالي الأوحد، مهما كانت دواعيه، بات من واجب الولايات المتحدة ولزاما عليها أن تبذل كل ما في وسعها لتكون شرطي العالم بلا منازع تمنح الشرعية لأنظمة هنا وتنزع الشرعية عن أنظمة هناك وتفرض العقوبات على هذا البلد وتقرر من هو الإرهابي ومن هو السوي... وتدعم حروب الإبادة بحق مجتمعات بأسرها حيث تدعو مصالحها. فقد بويعت بيعة لا راد لها ولا سؤال فيها.
في كل هذه المحطات وسواها بدت المنظمة الدولية كشاهد لا رأي له. فهل انتهى زمن الأمم المتحدة الى غير رجعة؟ هذا رهن بموقف دول العالم التي يمكنها أن تختار بين المظلة الدولية وبين العصا الأمريكية. ولعله خير!