دور الوسطاء تجاه حرب غزة والقضية الفلسطينية


نهاد ابو غوش
2025 / 10 / 26 - 09:47     

نهاد أبو غوش
كيف نفهم دور الوسطاء من خطة ترامب؟
خلال الحرب الطويلة التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة، وعلى مدار عامين كاملين من القتل والإبادة والتجويع وتدمير كل مرافق الحياة، أمكن إحراز عدد من الاتفاقات الجزئية التي أسفرت في نوفمبر 2023 عن إطلاق سراح معظم الأسرى المدنيين الإسرائيليين مقابل إطلاق سراح النساء والأطفال الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، وإدخال المساعدات، ومواد الإغاثة، ووقف مؤقت ومحدود لإطلاق النار. لكن إسرائيل سرعان ما استأنفت الحرب، دون أن تابه بأصوات المجتمع الإسرائيلي ولا بالنداءات الدولية لوقف الحرب، خلال هذه الفترة ساهمت ثلاث دول في جهود الوساطة وهي الولايات المتحدة الأميركية المنحازة بشكل صريح ومطلق لإسرائيل وقد تبنت كل أهداف حربها على غزة.
تواصلت جهود الوساطة على مدى عامين كاملين ثم تمكنت من إنجاز اتفاق جزئي آخر في يناير 2025 (مع نهاية ولاية بايدن وبدء ولاية ترامب) ، لكن نتنياهو سرعان ما نقض الاتفاق، مكتفيا بمرحلته الأولى، متسلحا بما أظهره ترامب من دعم لفكرة تهجير قطاع غزة، وهكذا استبدل نتنياهو أهدافه المعلنة للحرب بهدف رئيسي واحد وهو تهجير الفلسطينيين، وتعرضت جهود الوساطة لكثير من العقبات والإعاقات الإسرائيلية التي أدت إلى تجميد هذه الجهود، وسط اتهامات متكررة لكل من قطر ومصر بأنهما منحازتان لحماس، أو انهما لا تقومان بما يكفي من جهود الضغط على الحركة الفلسطينية، بل ذهبت بعض الأصوات الإسرائيلية الرسمية إلى المطالبة بإصدار تشريعات تعتبر قطر كيانا معاديا لإسرائيل، وهو الأمر الذي بلغ ذروته بالعدوان الإسرائيلي على الدوحة في سبتمبر 2025 بهدف اغتيال قيادة حماس، مستغلة اجتماع هذه القيادة لبحث اقتراح الرئيس ترامب، وهي الحادثة التي وصفت بأنها تجاوز لكل الخطوط الحمر، لكن تداعياتها الإقليمية والدولية، وفشلها أديا إلى انقلاب المعادلة في غير صالح نتنياهو.
طيلة العامين كان نتنياهو يرفض الصفقة الشاملة ويصر على الصفقات الجزئية، لكنه غير موقفه على نحو مفاجئ وبات يطالب بصفقة شاملة، وهي الفكرة التي كانت المقاومة توافق عليها، كما التقطتها الدول الوسيطة وقد انضمت تركيا بوزنها الإقليمي وعلاقاتها الجيدة مع حماس كما بعلاقات رئيسها رجب طيب اردوغان الجيدة مع الرئيس ترامب، وهو ما أسهم في بلورة خطة الرئيس ترامب لوقف الحرب وإبرام صفقة شاملة. وفي هذا الصدد يلاحظ أنه إسرائيل ظلت ترفض أي دور للأمم المتحدة أو للاتحاد الأوروبي، أو أي تدويل للصراع، مع أنها طرحت فكرة جلب قوات دولية لحفظ الأمن في غزة وهي الفكرة التي تبناها ترامب تحت اسم "قوة حفظ الاستقرار"، ولكنها ما زالت تثير كثيرا من الجدل بسبب عدم وضوح تركيب هذه القوة ولا صلاحياتها ولا مصدر تفويضها، مع أن مصادر عدة تتحدث عن قوات عربية وإسلامية ومنها مصر والإمارات واذربيجان واندونيسيا، مع وجود رقابي للأردن والولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية. ونلاحظ أن الإدارات الأميركية المتعاقبة تبنت موقف إسرائيل برفض تدويل القضية، وإن وافقت على بعض الأدوار الإقليمية والدولية فإنما لوظائف محدودة من بينها الضغط على الفلسطينيين والتمويل.
* دور الوسطاء يعتمد عليهم وعلى قدرتهم على استثمار وزنهم السياسي والاقتصادي وعلاقاتهم بالولايات المتحدة، من جهتها إسرائيل في العادة تريد الاستفراد بالشعب الفلسطيني وكأن الشأن الفلسطيني هو شأن داخلي إسرائيلي ( وهذا المعنى للأسف كان كامنا في الاتفاقيات الإبراهيمية)، وبالتالي ترفض أي دخول لقوى خارجية باستثناء الولايات المتحدة من جهة، أو بأدوار جزئية محدودة كالتمويل الذي كان من المهمة الوحيدة للاتحاد الأوروبي خلال تطبيقات اتفاق أوسلو، وتريد تلزيمه الآن لدول الخليج. خلال الحرب، وخلال الحروب والمعارك والأزمات السابقة لعبت دول الوساطة وخاصة مصر وقطر دورا رئيسيا في التهدئة، أي أن إسرائيل تريد حصر دور دول الوساطة بالتمويل والأمن من دون التأثير على مستقبل القضية الفلسطينية. الآن دول الوساطة تستطيع ان تلعب دورا سياسيا رئيسيا وهي تدرك أن خطة ترامب ليست مجرد ترتيبات مالية وأمنية، وقد لمسنا نجاخا واضحا لدول الوساطة في تراجع الإدارة الأميركية عن مخطط التهجير، كما في لجم التطلعات الإسرائيلية لإعادة احتلال غزة والاستيطان فيهان والإقرار الضمني من إدارة ترامب بالمبدأ الذي قامت عليه خطة إعادة الإعمار والتعافي المبكر التي قدمتها مصر وتبنتها القمة العربية الإسلامية، هناك تأثير إضافي ولكنه ما زال ملتبسا وهو تبني ما ورد في الخطة السعودية الفرنسية بشأن مسار موثوق (قد) يقود إلى حل الدولتين، هنا يجري الحديث عن الدولة الفلسطينية كطموح مشروع للفلسطينيين وليس كحق أصيل كفلته قرارات الأمم المتحدة وتحدثت عنه الإدارات الأميركية السابقة، كما أن تغيب الإشارة الواضحة والحاسمة لممثل الفلسطينيين ووحدة الأراضي الفلسطينية جغرافيا وسياسيا، لذلك ولأن مخططات نتنياهو لتصفية القضية الفلسطينية لا يقتصر اثرها على الفلسطينيين، بل تمس بسلامة وسيادة دول المنطقة، ولأن للولايات المتحدة مصالح قوية في المنطقة، يمكن لدول الوساطة ومجموع الدول العربية والإسلامية من ورائها أن تحسّن من دورها وتفرض حضورها لكي تفرض تأثيرات حاسمة على تفسيرات خطة ترامب لا أن تترك المهمة لنتنياهو، وتمكنه من معاودة الاستفراد بالشعب الفلسطيني.