إسرائيل تحاول اختزال الاتفاق لمنع الانتقال للمراحل التالية
نهاد ابو غوش
2025 / 10 / 26 - 01:46
نهاد أبو غوش
* من الواضح لكل متابع أن بنيامين نتنياهو وضع لمساته وبصماته على كل تفاصيل الاتفاق الذي اختزلت بنوده الـ21 إلى 20 بندا، بحيث خرجت خطة ترامب بنسخة "مؤسرلة" ومغايرة إلى حد كبير عن النسخة التي عرضت على قادة الدول العربية والمسلمة الثماني وهم قادة وممثلو مصر وقطر والسعودية والأردن والإمارات وتركيا وباكستان واندونيسيا، البصمات الإسرائيلية تمثلت بالصياغات الرمادية التي برعت فيها إسرائيل تاريخيا، وعبر إضفاء مزيد من الإبهام والغموض على عدد من القضايا الرئيسية بحيث تصبح مواقع الغموض هذه أقرب إلى كونها ألغاما يستطيع نتنياهو تفجيرها، وفقا لمصالحه وحساباته الخاصة، متى ما شاء وخاصة أن خطة ترامب منحت إسرائيل مطالبها الرئيسية ( الأسرى الأحياء والأموات أولا، ونزع سلاح حماس ثانيا) بشكل مسبق ومعجل، بينما جاءت المطالب والحقوق الفلسطينية مؤجلة أولا ومبهمة وغير قطعية ثانيا، وهذا ما ينطبق على موضوعات الانسحاب الإسرائيلي التدريجي الذي سيجري دائما "بالاتفاق" أي بالموافقة الإسرائيلية على كل شيء، وخصوصا على قضيتي إعادة الإعمار ودخول المساعدات.
إسرائيل لم تخف أنها معنية بشكل أساسي بإتمام المرحلة الأولى، على أن تتحكم بالمراحل اللاحقة بناء على حساباتها ومصالحها الأمنية (واقعيا بناء على حسابات نتنياهو الشخصية ومصلحته في الحفاظ على ائتلافه الحكومي والبقاء في الحكم)، ولذلك هو راهن على إمكانية المراوغة والتلاعب في تطبيقات الاتفاق بحيث يستطيع تأجيل المراحل التالية والمماطلة في تنفيذها لشهور طويلة وسنوات، مثلا يستطيع التذرع بتأخير تسلم أي جثة لكي يؤجل او يلغي بعض الالتزامات الإسرائيلية وهذا ما فعلته إسرائيل عمليا بإغلاق معبر رفح ووقف دخول المساعدات، والعودة للهجوم الواسع واستهداف أكثر من مائة هدف فلسطيني وإيقاع عشرات الشهداء، بذرائع تأخير تسليم الجثث تارة. أو بخروقات أمنية ومحاولات قوى المقاومة إعادة بناء قواها وإمكانياتها العسكرية تارة أخرى مع ملاحظة أن الخروقات بحسب نظرة إسرائيل هي مسألة تقدرها إسرائيل وحدها وهي ليست بحاجة إلى إثبات اي شيء لأي طرف كما اعتادت اثناء تعاملها في الملفات الفلسطينية واللبنانية والسورية، إسرائيل راهنت على أن اهتمام ترامب بتطبيقات المراحل التالية سوف يضعف تدريجيا، وبالتالي تصبح أكثر قدرة على التحكم في تفسير وتوقيت المراحل التالية، ما لم تجابه بمواقف صارمة من الوسطاء والمجتمع الدولي.
- ما هي أبرز سياسات المقاومة الفلسطينية وحركة حماس وتعاطيها مع مسارات المرحلة الأولى من تطبيق خطة ترامب؟
* المقاومة كانت كمن يسير على خيط مشدود، وبالتالي كانت مواقفها وسلوكها شديدة الحذر حيث أن اهتمامها وأنظارها مركزة على وقف حرب الإبادة وإحباط مخططات التهجير وإعادة الاحتلال والاستيطان، والحفاظ على بقاء الشعب وصموده على أرضه، ولذلك لم تكن قادرة على رفض خطة ترامب أو التحفظ عليها لأن ذلك يعني إعطاء نتنياهو مبررات لمواصلة حرب الإبادة واستئنافها بموافقة دولية وإقليمية، وفي نفس الوقت من الصعب موافقة المقاومة على الخطة كما هي، أي بكل ما فيها من ثغرات ومساوئ، ولذلك خرجت المقاومة بذلك الموقف الدقيق والحذر الذي لم ينس دغدغة الأنا المنفوخة والمتضخمة لترامب التي يبدو أنها عنصر رئيسي خلف سياساته ومواقفه: توافق على الإطار العريض للخطة بإطلاق كل الأسرى أحياء وأمواتا، تلتزم بما هي قادرة على الالتزام به بما في ذلك ألا تكون جزءا من مستقبل حكم غزة، توافق على ما هي معنية به وتملك صلاحية البت به، ولكنها أحالت القضايا الرئيسية الباقية للكل الفلسطيني في دعوة صريحة لقيادة منظمة التحرير والفصائل والدول الوسيطة والمجتمع الدولي للدخول على الخط.
أكدت المقاومة التزامها التام بتطبيقات المرحلة الأولى وقد فعلت ذلك، لكنها امتنعت عن تقديم أجوبة واضحة وقاطعة بشأن وضع السلاح (أو نزعه) ، وكان جوابها كافيا لكي يرحب به ترامب ويعتبر انها وافقت على الخطة، مع أن ملاحظات تصويبية أقل شأنا تسببت في تفجير الاتفاق المؤقت في شهر آذار مارس الماضي من قبل نتنياهو والوسيط ويتكوف الذي اعتبر ملاحظات المقاومة في حيته رفضا للاتفاق. المقاومة انطلقت في موقفها من مصلحة الناس أولا، وأن موضوع سلاح المقاومة لا يرتبط بما تحوزه في المرحلة الراهنة من إمكانيات عسكرية لأن المقاومة في جوهرها تعتمد على إرادة الناس وليس على المقدرات المادية واللوجستية، ثم إن القيادة الفلسطينية والوسطاء والمجتمع الدولي قادرون على الدخول على خط المفاوضات والتأثير على تفسيرات القضايا الغامضة والملتبسة بدل ان تترك للتفسير الإسرائيلي.
*جزء من مقابلة مع مركز رؤية للدراسات