نتنياهو يعرقل الانتقال للمراحل التالية من خطة ترامب


نهاد ابو غوش
2025 / 10 / 24 - 16:02     

نهاد أبو غوش

تصريحات الرئيس دونالد ترامب بشأن الأمن في غزة ودور حماس متناقضة، ما يقوله في يوم ما يعارضه في اليوم التالي، مثلما جرى بشأن ردع حماس للعصابات والمجموعات المسلحة العميلة المرتبطة بالاحتلال مثل مجموعات ياسر أبو شباب والأسطل والمنسي وهي تشكيلات عصابية لا يتعدى أكبرها بضع عشرات من اللصوص وذوي الأسبقيات وسارقي المساعدات. ترامب نفسه قال أنها عصابات شريرة وأن لا مشكلة لديه في التصدي لها، ثم تراجع عن ذلك، واطلق تهديدات وتصريحات يتوعد فيها حماس. الأمر عينه ينطبق على المسؤولية بشأن تسليم جثث الجنود الإسرائيليين القتلى، وكذلك بالنسبة لخروقات وقف إطلاق النار، والقضية الإشكالية المرتبطة بنزع سلاح حماس.
في تقديري أن هذه التناقضات تعود إلى أن الخطة بحد ذاتها مليئة بالثغرات والفجوات والمواقف الملتبسة التي يحاول نتنياهو أن يتحكم هو وحده في تفسيرها، كما أن نتنياهو يحاول اختزال الاتفاق كله في المرحلة الأولى، ثم يماطل ويؤجل ما امكنه ذلك بما ينسجم مع الأوضاع الداخلية في إسرائيل وما إذا كان يناسبه وقف الحرب في هذه المرحلة من جهة ، ومع مخططاته البعيدة المدى لمستقبل قطاع غزة حيث كان نتنياهو وما زال يتهرب من تقديم إجابات واضحة بشأن اليوم التالي في غزة، وتقديري أن نتنياهو اضطر لتمرير الاتفاق بما له وما عليه لأنه لا يستطيع معاندة الرئيس الأميركي، لكنه وضع لمساته وبصماته على الاتفاق مراهنا على أن إسرائيل بوصفها القوة المسيطرة عسكريا هي التي ستفسر النصوص الغامضة وتتحكم في سياقات تنفيذ الاتفاق وفق مصالحها من دون استبعاد أن فكرة التهجير ما تزال حاضرة في العقلية الإسرائيلية، ليس بالضرورة بصورة مباشرة، وإنما من خلال إبقاء السيطرة الكاملة على غزة سكانا وارضا ونمط حياة، بما يجعل الحياة في غزة بالغة الصعوبة.
الخطة مليئة بالثغرات بدءا من مرحلتها الأولى مرورا بالقضايا الصعبة مثل سحب سلاح حماس، والسؤال الأهم لمن ستسلم حماس سلاحها، وكيف سيتشكل مجلس التكنوقراط الفلسطيني، وما علاقة هذا المجلس بما يسمى "مجلس السلام" الذي يرى فيه معظم الفلسطينيين مجلس وصابة، وكذلك بالقوى المتعددة الجنسيات المسماة قوة حفظ الاستقرار، التقدير أن نتنياهو معني بدرجة رئيسية بالمرحلة الأولى لأن كل ما تريده إسرائيل موجود في هذه المرحلة والمرحلة التالية (تسليم الأسرى وسحب السلاح) بينما مصالح الفلسطينيين ومطالبهم مؤجلة للمراحل اللاحقة التي قد لا تأتي أبدا في ظل تجربة الفلسطينيين الطويلة مع اتفاق أوسلو الذي تحول من اتفاقية انتقالية مؤقتة إلى واقع دائم. في هذا السياق يراهن نتنياهو أن الزخم الأميركي واهتمام الرئيس ترامب سيضعف بالتدريج ولا سيما بعد أن حظي بمشاهد الإنجاز التي يريدها، ولكن الموضوع يرتبط كذلك بمواقف الدول الضامنة والدول العربية والإسلامية التي شاركت في اجتماعي نيويورك وشرم الشيخ، فضلا عن مواقف دول العالم وأوروبا، مثلا هناك اهتمام أوروبي وكذلك من قبل الأمم المتحدة بالمشاركة في مجلس السلام، وهناك ايضا مساع لاستصدار قرار من مجلس الأمن الدولي بشأن صلاحيات مجلس السلام وحدود التفويض، وهذا الأمر سلاح ذو حدين بالنسبة للفلسطينيين وللإسرائيليين على حد سواء، لأن تنصيب المجلس من دون النص على الوحدة الجغرافية والسياسية بين الضفة وغزة يمثل في نظر الفلسطينيين تكريسا للهدف الإسرائيلي بتفتيت الكيانية الفلسطينية، أما من ناحية إسرائيل فهي تعارض اي تدخل دولي مؤثر خلافا لتدخل الولايات المتحدة. كما أن ما يجري للفلسطينيين ومستقبلهم لا يؤثر عليهم فقط بل يمس حتما الدول العربية المجاورة والمحيط الإقليمي برمته، فضلا عن تحول القضية الفلسطينية إلى رمز عالمي لقضية العدالة والإنسانية.
منطقيا، تملك إسرائيل موقعا أقوى ونفوذا أكبر لفرض تفسيراتها وترجماتها للقضايا الإشكالية والملتبسة، بالاعتماد على الدعم الأميركي المطلق والتفوق العسكري الكاسح علاوة على الكارثة الإنسانية في غزة ومعاناة المواطنين من المجاعة والأمراض والفقدان والحرب المستمرة، إلا أن ثمة عوامل موضوعية تعمل لصالح الفلسطينيين أهمها العزلة المتزايدة التي تعاني منها إسرائيل، وانكشاف زيف الروايات الإسرائيلية ليس بشأن حرب طوفان الأقصى فقط، بل حتى بما يتصل بالروايات التاريخية والنكبة، إلى جانب اهتمام إدارة الرئيس ترامب بإعادة ترتيب أوضاع المنطقة وتكريس نفوذها في محاولات التمدد الصيني والروسي، فضلا عن انعكاسات الحرب على الداخل الإسرائيلي، ومأزق نتنياهو وائتلافه الحكومي، لكل ذلك تنشأ بين الحين والآخر احتكاكات بين رؤية الإدارة الأميركية ومحاولات نتنياهو تطبيق رؤيته الخاصة، والمماطلة في الانتقال للمراحل التالية من الاتفاق، وإطالة هدف الحرب إلى أمد غير محدد، لكن التعليمات الأميركية صريحة وواضحة: انتهت الحرب، ويجب تطبيق كل مراحل الاتفاق.