سوريا وفلسطين والمواقف من إسرائيل


نهاد ابو غوش
2025 / 10 / 21 - 02:58     

من نهاد ابو غوش
أعتقد أن مواقف الإدارة الجديدة في سوريا من أحداث المنطقة، وبخاصة من الدور الإيراني والاعتداءات الإسرائيلية على لبنان وإيران، تعود إلى أسباب عاطفية وانفعالية متصلة بالمرحلة الماضية، -أي مرحلة الدور الإيراني خلال الأزمة السورية في ظل نظام الأسد- أكثر مما هي متصلة بحسابات عقلانية ورؤية واقعية للتطورات السياسية في الإقليم. وهذا ينطبق على الموقف من العدوان الإسرائيلي على لبنان وحزب الله، وصولا للحرب على إيران. فعلى الرغم من الموقف العربي الواضح الذي عبر عنه وزراء الخارجية العرب من استانبول، والذي أدان العدوان الإسرائيلي على إيران دون اي التباس، يبدو الموقف الرسمي للإدارة السورية الحالية أقل من الحياد وأقرب إلى التأييد الضمني للموقف الإسرائيلي من خلال تعبيرات الشماتة والتشفي التي يعبر عنها كثير من المحللين والشخصيات المحيطة بالنظام. ربما يعود ذلك جزئيا إلى أن هؤلاء ما زالوا عالقين عند تعقيدات الأزمة السورية في ظل حكم بشار الأسد، ولكن لا يمكن أيضا تجاهل أن الحكم السوري الجديد معني بتقديم نمط من السلوك "العاقل" و"الواقعي" يرضي الأميركيين من أجل رفع العقوبات وهي لسوء حظ السوريين عقوبات لن تنتهي بقرار واحد، بل هي مسيرة طويلة ومعقدة. ولذلك رأيناهم يظهرون أقصى درجات التشدد في مواجهة ما أسموه "فلول نظام بشار" وخروقات حزب الله على الحدود. بينما كان حكم الشرع أقل حدة في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية التي لم تتوقف وشملت تدمير الجيش السوري ومنشآته ومختبراته، كما شملت احتلال مزيد من الأراضي السورية في محافظات القنيطرة وريف دمشق ودرعا. والتدخل الفج في موضوع الدروز في جرمانا وصحنايا والسويداء. ولا ننسى استمرار احتلال إسرائيل للجولان الذي سبق لإدارة ترامب الأولى أن اعترفت بالسيادة الإسرائيلية عليه. ولم تطرح الإدارة السورية الجديدة هذا الموضوع الوطني الحساس بالقوة الكافية ولو على المستوى الدعاوي والإعلامي، واكتفت بإطلاق تصريحات عامة ملتبسة حول رغبتها بالهدوء مع كل "دول الجوار" وكأنها تساوي بين إسرائيل وكل من العراق والأردن ولبنان فضلا عن تركيا.
يبدو أن هناك في القيادة السورية الحالية من يظن أن الصدام الإيراني الإسرائيلي يفيد سوريا في ترتيب أوراقها وملفاتها الداخلية، لكن هذه النظرة إما ساذجة على طريقة الرأي الشعبي الذي يساوي بين الطرفين ويردد شعار "اللهم اضرب الظالمين بالظالمين"، أو أنها وضعت كل رهاناتها وأوراقها في سلة الأميركيين حتى لو كان ذلك يشمل الصمت على الاعتداءات الإسرائيلية وتجاوز حالة العداء التاريخي، أعتقد أن مصلحة سوريا هي أولا مع وحدة شعبها ومحيطها العربي والإسلامي مهما بلغت التباينات ، فالمصلحة العربية هي ألا تواصل اسرائيل انفلاتها وعربدتها في الاقليم واعتداءاتها على الفلسطينيين وعلى لبنان وسوريا واليمن والعراق ثم ايران، والخطر الأكبر على سوريا يأتي من إسرائيل التي لا تخفي رغبتها في تقسيم سوريا إلى كيانات اثنية وطائفية ومذهبية وعرقية متصارعة، لكي تستأثر بالجولان أولا، ولكي يكون وضع إسرائيل التي تعرف نفسها كدولة يهودية، أو دولة الشعب اليهودي، منسجما مع محيط من الكيانات الطائفية والاثنية الفسيفسائية (وهو مشروع قديم سبق أن شجعته لتقسيم لبنان)، كما أن الهدف الأبرز لحرب إسرائيل على إيران هو إزاحة أهم عقبة أمام مشروعها للهيمنة على الإقليم وأطماعها التوسعية في الدول المجاورة لفلسطين المحتلة. يمكن لنا أن نتنبأ بالنموذج الذي تفصله إسرائيل للمحيط العربي من خلال مثال سوريا نفسه: تدمير الجيش واستباحة كاملة للأجواء، واحتلال أجزاء من الأراضي السورية التي تراها إسرائيل حيوية أو مهمة لأمنها، ومنع أية مظاهر عسكرية جنوب دمشق وغربها، واعتبار أجزاء واسعة من البلاد كمناطق منزوعة السلاح (هل استفادت إسرائيل أو استلهمت تجربة اتفاقية كامب ديفيد بشأن سيناء في هذا المجال؟) علاوة على تأجيج النزعات الانقسامية والصراعات الطائفية.
لا شك أن تاريخ سوريا المعمد بتضحيات هائلة من أجل القضية الفلسطينية، والجوار الجغرافي، والتداخل السكاني والحضاري والثقافي والاجتماعي بين الشعبين السوري والفلسطيني في ضوء الحقائق التاريخية التي لا جدال بشأنها بأن فلسطين هي جزء من سوريا الكبرى، علاوة على وجود مئات آلاف اللاجئين الفلسطينيين في أراضي الجمهورية السورية يتمسكون بحث العودة إلى وطنهم، وهو حق حرص النظام السابق بكل ما أوتي من قوة وتأثير على تضمينه مبادرة السلام العربية التي أقرت ف بيروت عام 2002، كل هذه العوامل تؤكد أن سوريا ليست مجرد طرف محايد أو بعيد الصلة بالقضية الفلسطينية، وأن مصالح سوريا هي ذاتها مصالح الشعب الفلسطيني.