فرص نجاح خطة ترامب (1 من2)
نهاد ابو غوش
2025 / 10 / 19 - 02:52
نهاد أبو غوش
كانت خطة الرئيس دونالد ترامب وما زالت إطارا عاما فضفاضا وعريضا، يعطي إجابات قاطعة لبعض المسائل والإشكاليات، ولكنه يبقى غامضا وملتبسا في معظم بنوده إلى تحتاج لمفاوضات شاقة وطويلة من أجل تحويلها إلى خطة عملية قابلة للتنفيذ، ولا غرابة في ذلك فالخطة هي توليف هجين بين اهداف الحرب الإسرائيلية المعلنة وبين بعض مبادئ الخطة الفرنسية السعودية، كما أن بصمات بنيامين نتنياهو واضحة على كل بنود الخطة، وحيثما وجد غموض أو التباس فثمة لمسات نتنياهو الذي يراهن أن القوة الإسرائيلية والدعم الأميركي المطلق كفيلان بتفسير لصالح إسرائيل. ولعل ما يوضح خطة ترامب ومراميها أكثر من بنود الخطة عينها هي خطابات ترامب وتصريحاته التي تتبنى عمليا المواقف الإسرائيلية دون اي مواربة، وتتحدث عن كل شيء إلا عن الحقوق الوطنية الفلسطينية، وتتحدث عن الحقوق الفلسطينية بوصفها مجرد "طموح مشروعة" وليست حقوقا أصيلة.
تميز الجواب الذي قدمته فصائل المقاومة الفلسطينية وفي مقدمتها حركة حماس على خطة ترامب بالحذر الشديد إذ تدرك أنها ليست في وضع يمكنها من مجابهة هذه الخطوة أو التصدي لها، لأن العالم كله بما في ذلك العرب والمسلمون يؤيدون هذه الخطة، ويصطفون وراءها. وأن رئيس الحكومة الإسرائيلية المتطرفة بنيامين نتنياهو يمني النفس برفض المقاومة لهذه الخطة لكي يكون الرافض مبررا لمواصلة حرب الإبادة والتهجير والتدمير. أما الموافقة على الخطة كما هي فهو اكثر خطورة لأنه يضفي شرعية على أهداف الحرب الإسرائيلي ويقر سلفا بفصل قطاع غزة تحت الوصاية الدولية، وفصل القطاع عن الضفة الغربية، وتأجيل الحقوق الفلسطينية إلى أجل غير مسمى، بينما على المقاومة أن تدفع ما تريده إسرائيل مقدما. ولكن المقاومة لم تكن في وضع يمكنها من فرض شروطها ولا حتى من استخدام الأوراق التي بيدها بما في ذلك ورقة الرهائن والمقاومة المسلحة. ولذلك كانت القضية الأكثر إلحاحا وأولوية هي وقف الحرب وحماية أرواح المواطنين الذين كانت آلة الحرب الإسرائيلية تحصد أرواحهم بمعدل يزيد عن مائة شهيد يوميا. لكل ما سبق ردت المقاومة بحذر شديد على خطة الرئيس ترامب فأعلنت أنها توافق على تسليم جميع الأسرى الأحياء وجثث القتلى في المرحلة الأولى من الاتفاق (والتدقيق في ذلك يؤكد أن هذه الاستجابة ليست الأولى من نوعها بل كانت معلنة ومعروفة في بداية الحرب) ثم جاءت موافقة حماس على تسليم السلاح وتعهد بألا تكون جزءا من السلطة في المستقبل، وهذه ايضا عماصر سبق إعلانها ووردت في اتفاق تأسيس لجنة الإسناد المجتمعي. أما حكمة حماس وصبرها وموقفها المدروس بعناية شديدة فتجلى في أنها لم تتطرق في ردها على قضية تأسيس مجلس فلسطيني ومجلس السلام الدولي وإحلال قوة دولية لحماية الاستقرار، ولا أبدت رايها في النص الملتبس وغير الواضح بشأن بدء مسار موثوق، والحديث عن طموح (وليس حق) الفلسطينيين المشروع في دولة فلسطينية. وأكدت حماس أن هذه القضايا تخص كل الفلسطينيين وهي بحاجة إلى موقف فلسطيني موحد، وبموافقتها على الخطة بهذه الصيغة فهي كانت تدرك حاجة الرئيس ترامب للظهور بصورة صانع السلام، وخشيته وخشية كل أصدقاء إسرائيل من اثر العزلة التي تشتد حول إسرائيل، فضلا عن إدراك التناقضات الداخلية التي تعصف بالمجتمع الإسرائيلي.
وعند الإجابة على سؤال عن خطة ترامب وآفاق نجاحها، يجب أن نميز بين صيغتين لخطة ترامب: الأولى هي التي عرضها على القادة العرب والمسلمين وتسربت عناصرها وأعطت انطباعا بأنها تشمل وقفا تاما للحرب، وتراجعا عن مخطط التهجير، لكن "الصيغة الإسرائيلية المنقحة" للخطة تكشف أن هدف إنهاء الحرب ما زال بعيدا، والانسحاب ليس مضمونا، بل إن كل ما يمكن اعتباره "تنازلات" للفلسطينيين قدمت من خلال القادة العرب هي وعود مؤجلة التنفيذ ومشروطة بشروط تتحكم فيها إسرائيل. بينما ما تتلقاه إسرائيل هي دفعات ملموسة معجلة، ومقدمة مسبقا بغض النظر عن التزام إسرائيل اللاحق أو عدم التزامها. خطة ترامب هي ظاهريا مزيج من أهداف الحرب الإسرائيلية المعلنة كالقضاء على حكم حماس ونزع سلاح المقاومة، والقضاء على أي تهديد مستقبلي، مع مضمون المبادرة السعودية الفرنسية التي وافق عليها معظم العرب، ولا ننسى أن هذه المبادرة ايضا شملت بنودا مطابقة للأهداف الإسرائيلية وفي مقدمتها الإفراج عن الأسرى الإسرائيليين كهدف أعلى وأسمى، ونزع سلاح حماس ، وإصلاح السلطة أما الحديث عن مسار موثوق لإيجاد حل سياسي ودولة فلسطينية فهو مجرد كلام خبرناه وعايشناه طويلا على امتداد اتفاق أوسلو الذي تحول من اتفاق مؤقت إلى سقف للأهداف الفلسطينية والعربية، وهو شرط طرح من قبل بعض الدول العربية المرشحة للتطبيع. من تجربتنا المريرة ندرك أن كل العبارات الغامضة والمبهمة سيحال تفسيرها للولايات المتحدة وإسرائيل، وبالتالي سيجري تفصيلها على مقاسات الأمن وأطماع الهيمنة والاتجاه لتصفية القضية الفلسطينية.