المفكر التونسي عبدالمجيد الشرفي.. أحد أبرز مؤسسي التيار النقدي والتجديدي
فهد المضحكي
2025 / 10 / 18 - 13:28
المفكر التونسي عبدالمجيد الشرفي..
أحد أبرز مؤسسي التيار النقدي والتجديدي في الفكر الإسلامي المعاصر
يُعتبر الدكتور عبدالمجيد الشرفي أحد أعلام الفكر والبحث المعاصرين وواحدًا من أعمدة التدريس في الجامعة التونسية. وكان من أوائل الذين كتبوا عن الإسلام والحداثة. وحسب العديد من النقاد والباحثين، فهو صاحب مدرسة متفرّدة في مقاربة الحضارة الإسلامية والتفكير الإسلامي. ويعتمد في تناوله للموروث الديني على مناهج البحث العلمي الحديثة، وعلى القراءة التاريخية للنصّ القرآني، وهو ما تبناه أيضًا نصر حامد أبو زيد وبأكثر قوة الجزائري محمد أركون. غير أنّ كتاباته ورؤاه تلقى معارضة، ومن معارضيه المفكر محمد الطالبي الذي يصف أطروحاته بأنها تفكير من خارج المسجد. كما أن مواقفه من الإسلام السياسي تثير حفيظة معتنقي هذا التيار وأتباعه، وفق ما ذكره موقع «ليدرز العربية».
كشف الشرفي في عدد مؤلفاته، ومن بينها «مرجعيات الإسلام السياسي» عن الصعوبات التي يواجهها الفكر الإسلامي في التأقلم مع الأوضاع والقيم الجديدة في حين استطاع الفكر الديني في مجتمعات أخرى التغلب على مثل هذه الصعوبات فانتهى إلى قناعة تامة بأهمية فصل الدين عن الدولة.
ويُعد الشرفي من رموز العقلانية في الفكر العربي الإسلامي ومن دعاة الثورة على سلطة الخبر. لذلك فإنه ما فتئ يحضّ على تقويض هذه السلطة باعتبارها سببًا من أسباب الجمود والانغلاق الإسلامي والاستعاضة عنها بسلطة الاختبار، إيمانًا منه بضرورة تمحيص الخبر وتكسير القيود التي تحول دون نقده وتفكيكه.
ولد عبدالمجيد الشرفي في صفاقس عام 1942، وهو حاصل على دكتوراه الدولة في الآداب في سنة 1982 وباشر التدريس بالمعاهد الثانوية ثم بدار المعلمين العليا بتونس وبكلية الآداب الإنسانية أستاذًا محاضرًا وتولّى خطّة عميد لكلية الآداب والعلوم الإنسانية (1983-1988).
في عام 2915، انتخب رئيسًا للمجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون «بيت الحكمة»، خلفًا للدكتور هشام جعيط، وحمل معه رؤى مجدّدة لمزيد من تطوير أداء هذه المؤسسة التي أنشئت سنة 1983.
انخرط مبكرًا في مشروعات تهدف لإحداث تغيير جذري في بنية الفكر الإسلامي، ومسيرة طويلة وحافلة عمرها بضع عقود من الزمن، أثمرت عدة كتب على غاية الأهمية والعمق، على غرار «الفكر الإسلامي في الرد على النصارى إلى نهاية القرن الرابع العاشر»، «الإسلام والحداثة»، «لبنات»، «الإسلام بين الرسالة والتاريخ»، «مرجعيات الإسلام السياسي»، «الثورة والحداثة والإسلامي». نشر عشرات المقالات والبحوث العلمية، وترجمت بعض أعماله إلى لغات عدة؛ أهمها الفرنسية والفارسية.
في حوارٍ أجرته معه الصحافية التونسية فاطمة بدري، نُشر الحوار على موقع «رصيف 22»، تناول منجزات الحداثة المادية والمعنوية، إذ تحدث عن عصر النهضة والاكتشافات العلمية التي تسارعت بشكل كبير خلال القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وعن المنجزات المعنوية التي، يراها، تتمثل أولًا في العقلانية، ويعني بذلك، أن كل تنظيم للمجتمع وكل فهم للكون، للإنسان والطبيعة، يعتمد على العقل البشري، ولم يعد يعتمد على الموروث الديني كما هو الشأن في القديم. ثم ترتب على ذلك مجموعة من القيم الأساسية، أول هذه القيم هي الحرية بمفهومها الجديد الذي تجاوز انحصارها قديمًا في معنيين فقط، هما أنها ضد العبودية وحرية الإنسان في خلق أفعاله، لتصبح بمعنى أن تفعل ما تريد ما دام لا يضر بالغير ولا يتعدى على حرية الآخر.
وقيمة الحرية ارتبطت بقيمة أخرى كذلك جديدة في الحداثة، وهي الفردانية، والتي أصبح معها الفرد محورًا للاهتمام، وتم الإقرار بأن الفرد له حقوق لا صلة لها بالضرورة بالجماعة، في حين كانت قبل ذلك الجماعة، سواء كانت الأسرة أو العشيرة أو القبيلة أو الأمة، هي المحور. القيمة الثانية للحداثة والتي ارتبطت أيضًا بالحرية هي المساواة، فبعد أن كانت المجتمعات القديمة جميعًا على التراتبية (الأقوياء والضعفاء الأغنياء والفقراء)، أصبح هناك رفض للوصاية المسلطة على الفرد من أي طرف، لا عالم وإمام ولا مفتي ولا زعيم سياسي، وطبعًا من أبرز ما ترتب عن هذه القيمة هي المساواة بين الجنسين، الذي يعد إنجازًا ينسف كل النظم القديمة التي كانت تؤمن بدونية المرأة وتعتبره أمرًا طبيعيًا.
أما القيمة الثالثة للحداثة فهي العدل، علمًا أنه لم يكن منعدمًا قديمًا، ولكن أصبح له مفهوم جديد لأنه أصبح مرتبطًا بالحرية والمساواة، قيمة العدل بمفهومها الحديث نسفت التراتبية التي كانت معتمدة وعدم المساواة. إنها قيم مرتبطة ببعضها البعض، بمعنى أنه لا يمكن أن تكون حداثيًا وأنت تؤمن وتسقط أخرى، مع أن هذا ما نعيشه يوميًا. فالمجتمعات العربية والإسلامية، كما تقول وجهة نظره، لم تشارك في إنتاج الحداثة (بمفهوميها المادي والمعنوي) بل إنها لم تعرف منها إلا الهيمنة والاستعمار والتسلط والاستغلال.
فهذه المجتمعات علاقتها بالحداثة إشكالية، لأنها لم تمارس هذه القيم بقدر ما سلطت عليها انعكاسات المجتمعات الحديثة، السلبية لا الإيجابية. بالإضافة إلى أن المجتمعات العربية والإسلامية تقبل المنجزات المادية للحداثة، ولكنها تحترز أو ترفض المنجزات المعنوية السالف ذكرها، لأنها لم تعرف منها سوى سلبياتها؛ لأن المجتمعات الغربية عندما أنجزت هذا النمط الحضاري الذي يقوم على الحرية والمساواة والعدل والديمقراطية، فإنها لم تنقل هذه القيم إلى المجتمعات التي استعمرتها، بل مارست عكسها تمامًا، وهذا ينطبق على أمريكا اللاتينية وإفريقيا والعالم العربي والإسلامي. ولهذا من الطبيعي أن تبدي هذه المجتمعات احترازًا أو رفضًا للحداثة؛ لأنها لم تعرف منها إلا وجهها السلبي. فعندما نتحدث عن نمط حضاري نشأ في الغرب فلا ينبغي أن نغتر ونقول إن هذه الحداثة تتضمن فقط الإيجابيات.
إن الفكر الإسلامي والفكر الديني عمومًا، بما في ذلك المسيحي واليهودي وحتى الأديان غير التوحيدية، وجدت صعوبة في التأقلم مع النمط الحضاري الجديد؛ لأن هذه الأديان نشأت في ظل ظروف تختلف عما تعيشه المجتمعات منذ القرن الخامس عشر. وبما أن هذه الأديان ظهرت في فترة تاريخية قديمة، وكل أدبيّاتها متأثرة بذلك الوضع التاريخي القديم، فإنها تجد صعوبة في التأقلم مع القيم الجديدة. وليس للفكر الإسلامي صعوبة خاصة في استيعاب الحداثة، وإذ كان يبدو أن أنه بجد صعوبة أكثر من الفكر المسيحي، فإن ذلك راجع إلى عوامل سياسية واجتماعية وثقافية ودينية.
هذا مظهر من مظاهر الاختلاف بين الوضع الإسلامي والوضع المسيحي، في الغرب كانت الكنيسة مهيمنة على السلطة السياسية، بينما في تاريخنا نحن السياسي هو المهيمن على الجانب الديني. وما حصل هو أن الغرب استطاع تحرير السياسي من الديني، بينما لدينا كمجتمعات عربية إسلامية هناك محاولات لتخلص الديني من هيمنة السياسي.
ولكن المؤسسة الدينية، إسلاميًا وعربيًا، لا تحاول التخلص من هيمنة السياسة من أجل الانخراط في الحداثة، بل ما كان يتمثل على أنه الوضع الأمثل، رغم أنه لم يكن عصرًا ذهبيًا.
لماذا لم تنجح المؤسسة الدينية عربيًا وإسلاميًا بالتخلص من هيمنة السياسة وظلت في موقع التابع؟ يرى أن ثمة أسباب تاريخية، فممثلو المؤسسات الدينية كانوا يتقاسمون المسؤوليات مع رجال السياسة، حيث توكل المهام المتعلقة بالحياة العسكرية وفض النزاعات الكبرى في المجتمع لرجال السياسة، في حين يستأثر رجال المؤسسة الدينية بتنظيم الحياة الاجتماعية، أي تقاسم أدوار تضفي بمقتضاه المؤسسة الدينية شرعية على ممارسات رجال السياسة، وفي المقابل رجال الدين يضفون على نفوذهم شرعية.
ولكن عندما تقلص دور المؤسسة الدينية في تنظيم الحياة الاجتماعية، أي عندما أصبحت أغلب القوانين التي تسير وضعية لا دينية، وتمردت على القطاعات تقريبًا على المؤسسة الدينية بخضوعها لقوانين من خارج إطارها وتخلصت من نفوذها، ولم يبق لها إلا ما يتعلق بأحكام العلاقات في نطاق الأسرة وبدرجات متفاوتة أيضًا، باتت تحاول التخلص من المؤسسة السياسية، ولكن بعد أن فقدت الكثير من نفوذها وسلطتها السابقة.
هناك من يرى أن الدكتور عبدالمجيد الشرفي، من أكثر المثقفين التونسيين إثارة للجدل، جراء نوعية القضايا والمواقف التي يطرحها في كتاباته ومحاضراته.