خطاب الديكتاتور العربي - المغرب نموذجا -


رفيق زروال
2025 / 10 / 12 - 02:55     

تحية للشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش الذي استطاع ان يبدع في قصيدته الشهيرة في تصوير حقيقة « خطاب الديكتاتور » في اوطاننا العربية و المغاربية. ففي هذه اللحظة السياسية الاقتصادية الاجتماعية الحرجة التي يعيشها المغرب، اختار الملك و رئيس الدولة أن يطلع علينا بخطاب الى « خدامه الأوفياء » مفرغ من أي اعتراف بهذه الأزمة التي تعصف بالبلاد. لا كلمة عن الاحتجاجات الشعبية ، ولا عن الشهداء الذين سقطوا برصاص قواته القمعية، ولا عن المعتقلين الذين ب« إسم جلالته » زج بهم في السجون و المعتقلات لأنهم طالبوا بالكرامة-الحرية-العدالة الاجتماعية. خطابٌ يُشيد بـ"العدالة الاجتماعية" بينما يقتل أبناء الشعب بالرصاص الحي، ويُثني على "الاستثمار العمومي" بينما يُحرم الشباب و عموم الشعب المغربي من أبسط حقوقهم في التعليم والصحة و العمل. كل التضامن مع عائلات الضحايا الذين كانوا ينتظرون و يراهنون على « ملك الفقراء » للقصاص لهم من « رئيس الحكومة »، فمابالك التجاهل التام لأبنائهم، شباب قتلو بذم بارد في تظاهرات شعبية سلمية!
1- ديماغوجيا سياسية مستمرة
خطاب الملك جاء محمّلًا و كالعادة بالكلمات المنمقة من قبيل "المغرب الصاعد"، "التنمية الترابية"، "ثقافة النتائج"، لكنه تجاهل تمامًا الواقع الميداني الذي يعيشه الشعب المغربي. لم يتطرق و لو بكلمة الى الفساد، الفقر و التهميش، ولا إلى الأسباب البنيوية التي دفعت الشباب إلى الخروج للشارع..
فمن راهن أو لا يزال يراهن على أن الملك سيحل الوضعية المزرية التي يعيشها الشعب، فنتمنى أن يكون هذا الخطاب قد ساهم في إيقاظ وعيه المزيف لطبيعة النظام المغربي. حتى أولئك الذين طبلوا لاحتمال إقالته لرئيس الحكومة خابت آمالهم، إذ جاء الخطاب مثقلًا بالثناء المطنب على "إنجازات" الحكومة، في تناقض صارخ مع الواقع المعيشي للجماهير الشعبية.
إن الاعتقاد بأن المسؤول الأول عن الأزمة سيكون هو من سيغيرها، هو إما سذاجة سياسية، أو تواطؤ في عملية التضليل، أو انتهازية تستفيد من استمرار الوضع على ما هو عليه. فالتغيير الحقيقي لن يأتي من داخل النظام، بل لا يمكن أن يحدث دون تغيير النظام نفسه، الذي تُعد الملكية عموده الفقري ومصدر القرار الفعلي.
2-أزمة البوصلة في الحركات الجماهيرية
إن عدم تحديد المسؤول الحقيقي عن الأوضاع يجعل الحركات الجماهيرية عموما و الشبابية خصوصا فاقدة للبوصلة، تتخبط بين مطالب جزئية وردود فعل عاطفية من السهل تحريفها و إختراقها بوليسيا و الارتزاق عليها. لذلك، فإن المهمة التاريخية تقع على عاتق الشباب المناضل و المخلص، خصوصًا المنتمين أو خريجي الحركة الطلابية والاتحاد الوطني لطلبة المغرب، للالتحاق والالتحام بالحركات الشبابية، من أجل رفع وعيها السياسي وتوسيع أفق مطالبها نحو تغيير جذري وشامل.
كما هي العادة ابان كل حركة جماهيرية شعبية، غابت النقابات البيروقراطية عن أي تفاعل أو احتضان لهذه الحركات الشعبية و لا لمطالبها، بل لعبت دور « رجل الإطفاء » لإخماد النضال، تمامًا كما فعلت أحزاب "معارضة صاحب الجلالة" و من يوجد على يسارها، التي تحولت إلى أدوات لتحريف الصراع وتدجينه.
أما المناضلون النقابيون المحسوبون على التصورات الجذرية، فاغلبهم منغمس في نضالات قطاعية « خبزية » ضيقة، بعيدًا عن أي محاولة لالتقاط اللحظة التاريخية، والسمو بهذه المطالب إلى مستويات أرقى من العمل السياسي. غابوا عن المساهمة في الزخم النضالي، وعن المراكمة الضرورية لتطويره، فمابالك التفكير بتأطيره، في وقت تحتاج فيه هذه الحركات و الانتفاضات الشعبية إلى من يربط بين مطالبها الاقتصادية المحضة و مشروع التغيير السياسي البديل.
3-في الختام
خطاب الملك الأخير ليس فقط ديماغوجيًا، بل يُعد إهانة لذكاء الشعب المغربي الذي يرى ويسمع ويعيش المعاناة يوميًا. تجاهل الدماء التي سالت، و المئات من المعتقين و الصراخ الذي ملأ الشوارع، يُفقد الخطاب شرعيته الأخلاقية، ويجعل من كل حديث عن "العدالة" و « التنمية » مجرد شعارات فارغة. إن المغرب اليوم لا يحتاج إلى خطب منمقة، بل إلى تحديد المسؤولين عن الوضع الذي وصل اليه المغرب ليس فقط على المستوى الاقتصادي و الاجتماعي الكارثي و حجم المديونية المتضخم ، بل و الانحدار و الانبطاح السياسي بعملية التطبيع « العلني » مع الكيان الصهيونى و المشاركة المباشرة في حرب الإبادة الجماعيه ضد الشعب الفلسطينى في تجسيد واضح للاوطنيته و عمالته. فالتغيير الحقيقي لن يكون إلا بتغيير جدري للنظام، لا ب«إصلاحه».

10 أكتوبر 2025