نواجه أزمة حقيقية.. والإمبراطورية الأمريكية في حالة تراجع
فهد المضحكي
2025 / 9 / 21 - 13:12
أجرت الإعلامية امي غودمان من قناة «ديموكارسي ناو» الأمريكية مقابلة مع المفكر الاقتصادي الأمريكي البروفيسور ريتشارد وولف، أستاذ الاقتصاد الفخري في جامعة ماساتشوستس، وأستاذ زائر في برنامج الدراسات العليا للعلاقات الدولية في «ذا نيو سكول». وهو مؤسس مشروع «الديمقراطية في العمل»، ويقدّم برنامجًا أسبوعيًا يُبث عبر الإذاعة والتلفزيون بعنوان التحديث الاقتصادي، كما أنه مؤلف لعدد من الكتب، من أبرزها: فهم الرأسمالية والمرض هو النظام: عندما تفشل الرأسمالية في إنقاذنا الأوبئة أو من نفسها.
ونظرًا لأهمية هذا الحوار (ترجمة صحيفة «الاتحاد» الفلسطينية) الذي تضمن رؤية تحليلية للواقع الاقتصادي والسياسي الأمريكي، نلخص أهم ما جاء فيه، أو بالأحرى نستعرض أهم المحاور التي تطرق إليها.
فيما يتعلق بالضرائب الجمركية، يرى وولف أنه من المتوقع أن تمتد تداعيات الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى مختلف أنحاء العالم، وبينما يدَّعي ترامب أن هذه الرسوم ستُسهم في تعزيز الاقتصاد الأمريكي، يخشى عدد كبير من الاقتصاديين أن تؤدي إلى ركود اقتصادي، أو ربما ما هو أسوأ من ذلك. كما يُحتمل أن تؤدي هذه الحرب التجارية إلى إعادة تشكيل التحالفات العالمية، مع سعي الدول إلى توسيع شبكة شركاتها التجاريين. الصين، اليابان، كوريا الجنوبية أعلنت بالفعل خططًا لتعزيز علاقاتها التجارية والتنسيق فيما بينها في مواجهة قرارات ترامب، يقول وولف ردًا على سؤال: كيف تقيّم هذه الإجراءات؟ وهل فوجئت - أو ربما صُدمت - عندما اتضح أن نحو � دولة ستواجه رسومًا جمركية متزايدة؟ من جهة كنا نعلم أن شيئًا كهذا قادم لا محالة. ومن جهة أخرى، فإن اتساع نطاق الإجراءات وشموليتها يجعل المرء يقف لوهلة ويتأمل. نعم، ترامب مُحق في أن ما نشهده هو لحظة تحوُل في تاريخ الولايات المتحدة والعالم، لكن قراءته لما لا تمت للواقع بصلة، بل تنبع في معظمها من ميله الدائم للترويج الذاتي. ففكرة أن الولايات المتحدة «ضحية» لما فعله بها الأجانب، هي ببساطة وهم خالص. على مدار الخمسين عامًا الماضية، كانت الولايات المتحدة - وخاصة الطبقة العليا في المجتمع أمثال ترامب - من أبرز المستفيدين من الثروة الاقتصادية العالمية. لا علاقة للأمر بجهة خارجية تستغلنا، بل هذا خطاب يستخدم لتلميع صورته كزعيم «قوي» يتصدى للآخرين. إلقاء اللوم على الأجنبي ومحاولة إظهار القوة على حسابه، هي أساليب رخيصة لا تليق برئيس دولة حقيقي. وهنا تكمن النقطة الأهم: الاقتصاد الأمريكي يواجه أزمة والإمبراطورية الأمريكية في حالة تراجع. لكن في الداخل الأمريكي لا نريد مواجهة هذا الواقع. نحن نعيش حالة من الإنكار الجماعي. وبدلاً من الاعتراف بالمشكلة، نُفرغ غضبنا على الآخرين - وهي طريقة مؤسفة جدًا للتعامل مع لحظة أفول قوة. الإمبراطورية البريطانية سبق أن تراجعت، وكذلك إمبراطوريات أخرى. والآن جاء دورنا. نعم، كان لنا قرن عظيم في القرن العشرين، لكن القرن الحادي والعشرين مختلف كليًا. يجب أن نواجه التحديات، لكننا لا نفعل ذلك. ما نفعله هو تحميل الآخرين مسؤولية مشكلاتنا، ثم الادعاء بأن معاقبتهم ستحلّها.
ويشير هنا إلى أن العالم لن يقف مكتوف متفرجًا. الولايات المتحدة لم تعد تمتلك ذات النفوذ الذي كان لها في القرن الماضي. إنها تتخيل نفسها في موقع لم تعد تحتله فعليًا. وعندما حذّر وزير الخزانة، في تصريح أضاف إلى قول ترامب، باقي دول العالم من الرد بالمثل، كان واضحًا أنه يقصد أن الرد سيؤدي إلى تصعيد. نعم، قالها بصراحة: «سيكون هناك تصعيد». لكن، في الحقيقة ما يمكن أن يضمن التصعيد أكثر من شيء آخر، هو الأفضل ألأ تفعل الدول الآخرى شيئًا. حينها، سيعتبر ترامب ذلك دعوة مفتوحة لمواصلة سياساته، حتى عندما يتبيّن أنها لا تحقق أي نتيجة.
حين تناول التخفيضات الضريبية، وكيف ترتبط بالرسوم ومن المستفيد منها، أشار إلى أن أكبر إنجاز تشريعي حققه ترامب خلال ولايته الأولى كان خفض الضرائب في ديسمبر �. وعندما أُقرّ هذا التخفيض قانونيًا، كان مشروطًا بموعد انتهاء ما يُعرف بـ«غروب التشريع»، أي أنه سينتهي مفعوله في عام �. فإذا ما سُمح لانتهاء هذه التخفيضات بالحدوث، فإن الشركات ولأثرياء - الذين كانوا المستفيدين الأساسيين منها آنذاك - سيواجهون زيادة ضريبية كبيرة. ترامب لا يريد لذلك أن يحدث، لأن هؤلاء يشكّلون قاعدته السياسية وادعميه الماليين. لا يريد أن تعود الضرائب عليهم للارتفاع. إذًا ما الذي سيفعله؟ إذا استمر في الإنفاق ورفض رفع الضرائب، فسيضطر إلى الاقتراض بمبلغ ضخمة، تمامًا كما حدث في السنوات الماضية. لكنه لا يريد أن يُنظر إليه كرئيس يُغرق البلاد في مزيد من الديون، خصوصًا في ظل اعتماد الولايات المتحدة على قروض من العالم الخارجي، والذي لم يعد راغبًا في الاستمرار بذلك كما كان في السابق. إذًا، هو في مأزق ويحتاج إلى مخرج. أمله الوحيد هو تقليص الإنفاق الداخلي بشراسة، ما يفعله ما يصفه كثيرون بـ«الرئيس الشريك»، إيلون ماسك، يظهر أمامنا بمنشار كهربائي، ليرسل إشارة واضحة: «سأحل المشكلة على حساب الطبقة العاملة، سأقيلهم جميعًا. لا يهمني ما يعانيه بقية العمال. لا إشعار، لا خطة، فقط طرد جماعي». ترامب الآن محاصر. لا يمكنه الخروج من هذا المآزق إلا بحل جذري للمشكلة المتراكمة، وليس أمامه سوى هذا الطريق، محاولة سحب قدرة الاقتراض والإنفاق من عامة الشعب. عندما تفرض تعرفة جمركية، تصبح السلع المستوردة أغلى، فيشتري الناس منها أقل، ويقلّ مستوى معيشتهم. وإذا استغلت الشركات الأمريكية هذه الفرصة لرفع أسعارها - كما تفعل الآن -، فإن ذلك يضاعف العبء على الطبقة العاملة. أنه يُفقر العمال في محاولة لحل أزمة لم يعرف كيف يعالجها في السابق. وهنا تكمن المفارقة التي قد ترتد على الأمريكيين في النهاية: أوروبا، التي فشلت في التوحد تحت مظلة التحالف الأمريكي، أصبحت تتقارب بسبب العداء الأمريكي. فعداوة واشنطن وحدت القارة الأوروبية بشكل أفضل من أي تحالف رسمي، وكما أشار سابقًا، أن الصين واليابان وكوريا الجنوبية -رغم تاريخها الطويل من التوت بدأت بالتقارب لمواجهة هذا الواقع.
وبالعودة إلى التعرفة الجمركية، يقول: عندما تفرض هذه التعرفة، لا يمكنك التنبؤ بالنتيجة، لأن التأثير لا يتوقف على الرسوم بحد ذاتها، بل على عوامل كثيرة، مثل أسعار الفائدة، أسعار صرف العملات، نمو أو تراجع الاقتصادات العالمية. بمعنى، لا يمكنك أن تعرف النتائج مسبقًا. ولهذا السبب، ولخمسين عامًا مضت، اعتمد العالم، بإشراف أمريكي، على ما يسمى بالتجارة الحرة، أو النيوليبرالية، أو العولمة.
كل ذلك انتهى الآن. ما يعنيه أن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على الفوز ضمن هذا النظام، ولذلك تتجه نحو الحمائية الاقتصادية و«القومية الاقتصادية».
وهذا تحوّل جذري يُربك النظام العالمي. على مدى نصف قرن، كان هناك إجماع شبه تام على عدم اتباع ما يقوم به ترامب اليوم. الرهان الأكثر واقعية هو أن ترامب يحاول إنقاذ مستقبله السياسي، ويحاول مواجهة اقتصاد متراجع دون أن يعترف بذلك صراحة. هذه الخطوة لن تنتهي نهاية جيدة. عادة لا يحدث هذا. ما سنشهده هو صراع اقتصادي بين الكتل الكبرى: الكتلة الأوروبية، الكتلة الآسيوية، والكتلة الأمريكية، في لحظة تكون فيها الولايات المتحدة أضعف اقتصاديًا وسياسيًا مما كانت عليه منذ عقود. الإخفاق في أوكرانيا كمثال: سوء التقدير بأن روسيا ستلجأ إلى الصين والهند لمواجهة تداعيات الحرب، وهي حسابات لم تكن موجودة سابقًا، لكنها الآن تعيد تشكيل المشهد بطريقة غير متوقعة.
الخلاصة باختصار، يقول وولف: «أعتقد أننا دخلنا بالفعل في مرحلة الانحدار منذ أو عامًا. ولا يمكن تجاهل ذلك. إليك الإحصائية الأوضح والأكثر دلالة: إذا جمعت الناتج المحلي الإجمالي - أي إجمالي السلع والخدمات المنتجة سنويًا - للولايات المتحدة وحلفائها الكبار في مجموعة السبع (G7)، فستحصل على نحو % من الناتج العالمي. أما إذا قمت بالحساب نفسه للصين ودول (البريكس)، فالناتج يبلغ حوالي %. هم باتوا يشكّلون كتلة اقتصادية أقوى منّا بالفعل». ويضيف: «كل دولة في العالم تفكر في بناء سككك حديدية أو توسيع برامجها الصحية كانت ترسل في الماضي وقودها إلى واشنطن أو لندن طلبًا للدعم، وهي لا تزال تفعل ذلك، لكنها ترسل نفس الوقود بعدها إلى بكين، نيودلهي، ساوباولو، وغالبًا ما تحصل هناك على صفقة أفضل. العالم يتغير، وكان بإمكان الولايات المتحدة التكيّف مع هذا الواقع. لكن، كما هو حال الإدمان، عليك أولاً أن تعترف بوجود مشكلة قبل أن تتمكن من حلها. ونحن - كدولة - لا نزال نرفض مواجهة حقيقة ما تعنيه كل هذه المؤشرات».