نواجه أزمة حقيقية.. والإمبراطورية الأمريكية في حالة تراجع


فهد المضحكي
2025 / 9 / 21 - 13:12     

أجرت‭ ‬الإعلامية‭ ‬امي‭ ‬غودمان‭ ‬من‭ ‬قناة‭ ‬‮«‬ديموكارسي‭ ‬ناو‮»‬‭ ‬الأمريكية‭ ‬مقابلة‭ ‬مع‭ ‬المفكر‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الأمريكي‭ ‬البروفيسور‭ ‬ريتشارد‭ ‬وولف،‭ ‬أستاذ‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الفخري‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬ماساتشوستس،‭ ‬وأستاذ‭ ‬زائر‭ ‬في‭ ‬برنامج‭ ‬الدراسات‭ ‬العليا‭ ‬للعلاقات‭ ‬الدولية‭ ‬في‭ ‬‮«‬ذا‭ ‬نيو‭ ‬سكول‮»‬‭. ‬وهو‭ ‬مؤسس‭ ‬مشروع‭ ‬‮«‬الديمقراطية‭ ‬في‭ ‬العمل‮»‬،‭ ‬ويقدّم‭ ‬برنامجًا‭ ‬أسبوعيًا‭ ‬يُبث‭ ‬عبر‭ ‬الإذاعة‭ ‬والتلفزيون‭ ‬بعنوان‭ ‬التحديث‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬كما‭ ‬أنه‭ ‬مؤلف‭ ‬لعدد‭ ‬من‭ ‬الكتب،‭ ‬من‭ ‬أبرزها‭: ‬فهم‭ ‬الرأسمالية‭ ‬والمرض‭ ‬هو‭ ‬النظام‭: ‬عندما‭ ‬تفشل‭ ‬الرأسمالية‭ ‬في‭ ‬إنقاذنا‭ ‬الأوبئة‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬نفسها‭.‬

ونظرًا‭ ‬لأهمية‭ ‬هذا‭ ‬الحوار‭ (‬ترجمة‭ ‬صحيفة‭ ‬‮«‬الاتحاد‮»‬‭ ‬الفلسطينية‭) ‬الذي‭ ‬تضمن‭ ‬رؤية‭ ‬تحليلية‭ ‬للواقع‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والسياسي‭ ‬الأمريكي،‭ ‬نلخص‭ ‬أهم‭ ‬ما‭ ‬جاء‭ ‬فيه،‭ ‬أو‭ ‬بالأحرى‭ ‬نستعرض‭ ‬أهم‭ ‬المحاور‭ ‬التي‭ ‬تطرق‭ ‬إليها‭.‬

فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالضرائب‭ ‬الجمركية،‭ ‬يرى‭ ‬وولف‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬المتوقع‭ ‬أن‭ ‬تمتد‭ ‬تداعيات‭ ‬الرسوم‭ ‬الجمركية‭ ‬التي‭ ‬فرضها‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬إلى‭ ‬مختلف‭ ‬أنحاء‭ ‬العالم،‭ ‬وبينما‭ ‬يدَّعي‭ ‬ترامب‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الرسوم‭ ‬ستُسهم‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الأمريكي،‭ ‬يخشى‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬الاقتصاديين‭ ‬أن‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬ركود‭ ‬اقتصادي،‭ ‬أو‭ ‬ربما‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أسوأ‭ ‬من‭ ‬ذلك‭. ‬كما‭ ‬يُحتمل‭ ‬أن‭ ‬تؤدي‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬التجارية‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬التحالفات‭ ‬العالمية،‭ ‬مع‭ ‬سعي‭ ‬الدول‭ ‬إلى‭ ‬توسيع‭ ‬شبكة‭ ‬شركاتها‭ ‬التجاريين‭. ‬الصين،‭ ‬اليابان،‭ ‬كوريا‭ ‬الجنوبية‭ ‬أعلنت‭ ‬بالفعل‭ ‬خططًا‭ ‬لتعزيز‭ ‬علاقاتها‭ ‬التجارية‭ ‬والتنسيق‭ ‬فيما‭ ‬بينها‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬قرارات‭ ‬ترامب،‭ ‬يقول‭ ‬وولف‭ ‬ردًا‭ ‬على‭ ‬سؤال‭: ‬كيف‭ ‬تقيّم‭ ‬هذه‭ ‬الإجراءات؟‭ ‬وهل‭ ‬فوجئت‭ - ‬أو‭ ‬ربما‭ ‬صُدمت‭ - ‬عندما‭ ‬اتضح‭ ‬أن‭ ‬نحو‭ �‭ ‬دولة‭ ‬ستواجه‭ ‬رسومًا‭ ‬جمركية‭ ‬متزايدة؟‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬كنا‭ ‬نعلم‭ ‬أن‭ ‬شيئًا‭ ‬كهذا‭ ‬قادم‭ ‬لا‭ ‬محالة‭. ‬ومن‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬فإن‭ ‬اتساع‭ ‬نطاق‭ ‬الإجراءات‭ ‬وشموليتها‭ ‬يجعل‭ ‬المرء‭ ‬يقف‭ ‬لوهلة‭ ‬ويتأمل‭. ‬نعم،‭ ‬ترامب‭ ‬مُحق‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬نشهده‭ ‬هو‭ ‬لحظة‭ ‬تحوُل‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬والعالم،‭ ‬لكن‭ ‬قراءته‭ ‬لما‭ ‬لا‭ ‬تمت‭ ‬للواقع‭ ‬بصلة،‭ ‬بل‭ ‬تنبع‭ ‬في‭ ‬معظمها‭ ‬من‭ ‬ميله‭ ‬الدائم‭ ‬للترويج‭ ‬الذاتي‭. ‬ففكرة‭ ‬أن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬‮«‬ضحية‮»‬‭ ‬لما‭ ‬فعله‭ ‬بها‭ ‬الأجانب،‭ ‬هي‭ ‬ببساطة‭ ‬وهم‭ ‬خالص‭. ‬على‭ ‬مدار‭ ‬الخمسين‭ ‬عامًا‭ ‬الماضية،‭ ‬كانت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ - ‬وخاصة‭ ‬الطبقة‭ ‬العليا‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬أمثال‭ ‬ترامب‭ - ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬المستفيدين‭ ‬من‭ ‬الثروة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬العالمية‭. ‬لا‭ ‬علاقة‭ ‬للأمر‭ ‬بجهة‭ ‬خارجية‭ ‬تستغلنا،‭ ‬بل‭ ‬هذا‭ ‬خطاب‭ ‬يستخدم‭ ‬لتلميع‭ ‬صورته‭ ‬كزعيم‭ ‬‮«‬قوي‮»‬‭ ‬يتصدى‭ ‬للآخرين‭. ‬إلقاء‭ ‬اللوم‭ ‬على‭ ‬الأجنبي‭ ‬ومحاولة‭ ‬إظهار‭ ‬القوة‭ ‬على‭ ‬حسابه،‭ ‬هي‭ ‬أساليب‭ ‬رخيصة‭ ‬لا‭ ‬تليق‭ ‬برئيس‭ ‬دولة‭ ‬حقيقي‭. ‬وهنا‭ ‬تكمن‭ ‬النقطة‭ ‬الأهم‭: ‬الاقتصاد‭ ‬الأمريكي‭ ‬يواجه‭ ‬أزمة‭ ‬والإمبراطورية‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬تراجع‭. ‬لكن‭ ‬في‭ ‬الداخل‭ ‬الأمريكي‭ ‬لا‭ ‬نريد‭ ‬مواجهة‭ ‬هذا‭ ‬الواقع‭. ‬نحن‭ ‬نعيش‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬الإنكار‭ ‬الجماعي‭. ‬وبدلاً‭ ‬من‭ ‬الاعتراف‭ ‬بالمشكلة،‭ ‬نُفرغ‭ ‬غضبنا‭ ‬على‭ ‬الآخرين‭ - ‬وهي‭ ‬طريقة‭ ‬مؤسفة‭ ‬جدًا‭ ‬للتعامل‭ ‬مع‭ ‬لحظة‭ ‬أفول‭ ‬قوة‭. ‬الإمبراطورية‭ ‬البريطانية‭ ‬سبق‭ ‬أن‭ ‬تراجعت،‭ ‬وكذلك‭ ‬إمبراطوريات‭ ‬أخرى‭. ‬والآن‭ ‬جاء‭ ‬دورنا‭. ‬نعم،‭ ‬كان‭ ‬لنا‭ ‬قرن‭ ‬عظيم‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬لكن‭ ‬القرن‭ ‬الحادي‭ ‬والعشرين‭ ‬مختلف‭ ‬كليًا‭. ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬نواجه‭ ‬التحديات،‭ ‬لكننا‭ ‬لا‭ ‬نفعل‭ ‬ذلك‭. ‬ما‭ ‬نفعله‭ ‬هو‭ ‬تحميل‭ ‬الآخرين‭ ‬مسؤولية‭ ‬مشكلاتنا،‭ ‬ثم‭ ‬الادعاء‭ ‬بأن‭ ‬معاقبتهم‭ ‬ستحلّها‭.‬

ويشير‭ ‬هنا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬العالم‭ ‬لن‭ ‬يقف‭ ‬مكتوف‭ ‬متفرجًا‭. ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تمتلك‭ ‬ذات‭ ‬النفوذ‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭. ‬إنها‭ ‬تتخيل‭ ‬نفسها‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تحتله‭ ‬فعليًا‭. ‬وعندما‭ ‬حذّر‭ ‬وزير‭ ‬الخزانة،‭ ‬في‭ ‬تصريح‭ ‬أضاف‭ ‬إلى‭ ‬قول‭ ‬ترامب،‭ ‬باقي‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬من‭ ‬الرد‭ ‬بالمثل،‭ ‬كان‭ ‬واضحًا‭ ‬أنه‭ ‬يقصد‭ ‬أن‭ ‬الرد‭ ‬سيؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تصعيد‭. ‬نعم،‭ ‬قالها‭ ‬بصراحة‭: ‬‮«‬سيكون‭ ‬هناك‭ ‬تصعيد‮»‬‭. ‬لكن،‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يضمن‭ ‬التصعيد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬شيء‭ ‬آخر،‭ ‬هو‭ ‬الأفضل‭ ‬ألأ‭ ‬تفعل‭ ‬الدول‭ ‬الآخرى‭ ‬شيئًا‭. ‬حينها،‭ ‬سيعتبر‭ ‬ترامب‭ ‬ذلك‭ ‬دعوة‭ ‬مفتوحة‭ ‬لمواصلة‭ ‬سياساته،‭ ‬حتى‭ ‬عندما‭ ‬يتبيّن‭ ‬أنها‭ ‬لا‭ ‬تحقق‭ ‬أي‭ ‬نتيجة‭.‬

حين‭ ‬تناول‭ ‬التخفيضات‭ ‬الضريبية،‭ ‬وكيف‭ ‬ترتبط‭ ‬بالرسوم‭ ‬ومن‭ ‬المستفيد‭ ‬منها،‭ ‬أشار‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬أكبر‭ ‬إنجاز‭ ‬تشريعي‭ ‬حققه‭ ‬ترامب‭ ‬خلال‭ ‬ولايته‭ ‬الأولى‭ ‬كان‭ ‬خفض‭ ‬الضرائب‭ ‬في‭ ‬ديسمبر‭ �‭. ‬وعندما‭ ‬أُقرّ‭ ‬هذا‭ ‬التخفيض‭ ‬قانونيًا،‭ ‬كان‭ ‬مشروطًا‭ ‬بموعد‭ ‬انتهاء‭ ‬ما‭ ‬يُعرف‭ ‬بـ‮«‬غروب‭ ‬التشريع‮»‬،‭ ‬أي‭ ‬أنه‭ ‬سينتهي‭ ‬مفعوله‭ ‬في‭ ‬عام‭ �‭. ‬فإذا‭ ‬ما‭ ‬سُمح‭ ‬لانتهاء‭ ‬هذه‭ ‬التخفيضات‭ ‬بالحدوث،‭ ‬فإن‭ ‬الشركات‭ ‬ولأثرياء‭ - ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬المستفيدين‭ ‬الأساسيين‭ ‬منها‭ ‬آنذاك‭ - ‬سيواجهون‭ ‬زيادة‭ ‬ضريبية‭ ‬كبيرة‭. ‬ترامب‭ ‬لا‭ ‬يريد‭ ‬لذلك‭ ‬أن‭ ‬يحدث،‭ ‬لأن‭ ‬هؤلاء‭ ‬يشكّلون‭ ‬قاعدته‭ ‬السياسية‭ ‬وادعميه‭ ‬الماليين‭. ‬لا‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬تعود‭ ‬الضرائب‭ ‬عليهم‭ ‬للارتفاع‭. ‬إذًا‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬سيفعله؟‭ ‬إذا‭ ‬استمر‭ ‬في‭ ‬الإنفاق‭ ‬ورفض‭ ‬رفع‭ ‬الضرائب،‭ ‬فسيضطر‭ ‬إلى‭ ‬الاقتراض‭ ‬بمبلغ‭ ‬ضخمة،‭ ‬تمامًا‭ ‬كما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الماضية‭. ‬لكنه‭ ‬لا‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يُنظر‭ ‬إليه‭ ‬كرئيس‭ ‬يُغرق‭ ‬البلاد‭ ‬في‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬الديون،‭ ‬خصوصًا‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬اعتماد‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬على‭ ‬قروض‭ ‬من‭ ‬العالم‭ ‬الخارجي،‭ ‬والذي‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬راغبًا‭ ‬في‭ ‬الاستمرار‭ ‬بذلك‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬السابق‭. ‬إذًا،‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬مأزق‭ ‬ويحتاج‭ ‬إلى‭ ‬مخرج‭. ‬أمله‭ ‬الوحيد‭ ‬هو‭ ‬تقليص‭ ‬الإنفاق‭ ‬الداخلي‭ ‬بشراسة،‭ ‬ما‭ ‬يفعله‭ ‬ما‭ ‬يصفه‭ ‬كثيرون‭ ‬بـ«الرئيس‭ ‬الشريك‮»‬،‭ ‬إيلون‭ ‬ماسك،‭ ‬يظهر‭ ‬أمامنا‭ ‬بمنشار‭ ‬كهربائي،‭ ‬ليرسل‭ ‬إشارة‭ ‬واضحة‭: ‬‮«‬سأحل‭ ‬المشكلة‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الطبقة‭ ‬العاملة،‭ ‬سأقيلهم‭ ‬جميعًا‭. ‬لا‭ ‬يهمني‭ ‬ما‭ ‬يعانيه‭ ‬بقية‭ ‬العمال‭. ‬لا‭ ‬إشعار،‭ ‬لا‭ ‬خطة،‭ ‬فقط‭ ‬طرد‭ ‬جماعي‮»‬‭. ‬ترامب‭ ‬الآن‭ ‬محاصر‭. ‬لا‭ ‬يمكنه‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬المآزق‭ ‬إلا‭ ‬بحل‭ ‬جذري‭ ‬للمشكلة‭ ‬المتراكمة،‭ ‬وليس‭ ‬أمامه‭ ‬سوى‭ ‬هذا‭ ‬الطريق،‭ ‬محاولة‭ ‬سحب‭ ‬قدرة‭ ‬الاقتراض‭ ‬والإنفاق‭ ‬من‭ ‬عامة‭ ‬الشعب‭. ‬عندما‭ ‬تفرض‭ ‬تعرفة‭ ‬جمركية،‭ ‬تصبح‭ ‬السلع‭ ‬المستوردة‭ ‬أغلى،‭ ‬فيشتري‭ ‬الناس‭ ‬منها‭ ‬أقل،‭ ‬ويقلّ‭ ‬مستوى‭ ‬معيشتهم‭. ‬وإذا‭ ‬استغلت‭ ‬الشركات‭ ‬الأمريكية‭ ‬هذه‭ ‬الفرصة‭ ‬لرفع‭ ‬أسعارها‭ - ‬كما‭ ‬تفعل‭ ‬الآن‭ -‬،‭ ‬فإن‭ ‬ذلك‭ ‬يضاعف‭ ‬العبء‭ ‬على‭ ‬الطبقة‭ ‬العاملة‭. ‬أنه‭ ‬يُفقر‭ ‬العمال‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬لحل‭ ‬أزمة‭ ‬لم‭ ‬يعرف‭ ‬كيف‭ ‬يعالجها‭ ‬في‭ ‬السابق‭. ‬وهنا‭ ‬تكمن‭ ‬المفارقة‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬ترتد‭ ‬على‭ ‬الأمريكيين‭ ‬في‭ ‬النهاية‭: ‬أوروبا،‭ ‬التي‭ ‬فشلت‭ ‬في‭ ‬التوحد‭ ‬تحت‭ ‬مظلة‭ ‬التحالف‭ ‬الأمريكي،‭ ‬أصبحت‭ ‬تتقارب‭ ‬بسبب‭ ‬العداء‭ ‬الأمريكي‭. ‬فعداوة‭ ‬واشنطن‭ ‬وحدت‭ ‬القارة‭ ‬الأوروبية‭ ‬بشكل‭ ‬أفضل‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬تحالف‭ ‬رسمي،‭ ‬وكما‭ ‬أشار‭ ‬سابقًا،‭ ‬أن‭ ‬الصين‭ ‬واليابان‭ ‬وكوريا‭ ‬الجنوبية‭ -‬رغم‭ ‬تاريخها‭ ‬الطويل‭ ‬من‭ ‬التوت‭ ‬بدأت‭ ‬بالتقارب‭ ‬لمواجهة‭ ‬هذا‭ ‬الواقع‭. ‬

وبالعودة‭ ‬إلى‭ ‬التعرفة‭ ‬الجمركية،‭ ‬يقول‭: ‬عندما‭ ‬تفرض‭ ‬هذه‭ ‬التعرفة،‭ ‬لا‭ ‬يمكنك‭ ‬التنبؤ‭ ‬بالنتيجة،‭ ‬لأن‭ ‬التأثير‭ ‬لا‭ ‬يتوقف‭ ‬على‭ ‬الرسوم‭ ‬بحد‭ ‬ذاتها،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬عوامل‭ ‬كثيرة،‭ ‬مثل‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة،‭ ‬أسعار‭ ‬صرف‭ ‬العملات،‭ ‬نمو‭ ‬أو‭ ‬تراجع‭ ‬الاقتصادات‭ ‬العالمية‭. ‬بمعنى،‭ ‬لا‭ ‬يمكنك‭ ‬أن‭ ‬تعرف‭ ‬النتائج‭ ‬مسبقًا‭. ‬ولهذا‭ ‬السبب،‭ ‬ولخمسين‭ ‬عامًا‭ ‬مضت،‭ ‬اعتمد‭ ‬العالم،‭ ‬بإشراف‭ ‬أمريكي،‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬بالتجارة‭ ‬الحرة،‭ ‬أو‭ ‬النيوليبرالية،‭ ‬أو‭ ‬العولمة‭.‬

كل‭ ‬ذلك‭ ‬انتهى‭ ‬الآن‭. ‬ما‭ ‬يعنيه‭ ‬أن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬الفوز‭ ‬ضمن‭ ‬هذا‭ ‬النظام،‭ ‬ولذلك‭ ‬تتجه‭ ‬نحو‭ ‬الحمائية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬و«القومية‭ ‬الاقتصادية‮»‬‭.‬

وهذا‭ ‬تحوّل‭ ‬جذري‭ ‬يُربك‭ ‬النظام‭ ‬العالمي‭. ‬على‭ ‬مدى‭ ‬نصف‭ ‬قرن،‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬إجماع‭ ‬شبه‭ ‬تام‭ ‬على‭ ‬عدم‭ ‬اتباع‭ ‬ما‭ ‬يقوم‭ ‬به‭ ‬ترامب‭ ‬اليوم‭. ‬الرهان‭ ‬الأكثر‭ ‬واقعية‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬ترامب‭ ‬يحاول‭ ‬إنقاذ‭ ‬مستقبله‭ ‬السياسي،‭ ‬ويحاول‭ ‬مواجهة‭ ‬اقتصاد‭ ‬متراجع‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يعترف‭ ‬بذلك‭ ‬صراحة‭. ‬هذه‭ ‬الخطوة‭ ‬لن‭ ‬تنتهي‭ ‬نهاية‭ ‬جيدة‭. ‬عادة‭ ‬لا‭ ‬يحدث‭ ‬هذا‭. ‬ما‭ ‬سنشهده‭ ‬هو‭ ‬صراع‭ ‬اقتصادي‭ ‬بين‭ ‬الكتل‭ ‬الكبرى‭: ‬الكتلة‭ ‬الأوروبية،‭ ‬الكتلة‭ ‬الآسيوية،‭ ‬والكتلة‭ ‬الأمريكية،‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬تكون‭ ‬فيها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬أضعف‭ ‬اقتصاديًا‭ ‬وسياسيًا‭ ‬مما‭ ‬كانت‭ ‬عليه‭ ‬منذ‭ ‬عقود‭. ‬الإخفاق‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا‭ ‬كمثال‭: ‬سوء‭ ‬التقدير‭ ‬بأن‭ ‬روسيا‭ ‬ستلجأ‭ ‬إلى‭ ‬الصين‭ ‬والهند‭ ‬لمواجهة‭ ‬تداعيات‭ ‬الحرب،‭ ‬وهي‭ ‬حسابات‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬موجودة‭ ‬سابقًا،‭ ‬لكنها‭ ‬الآن‭ ‬تعيد‭ ‬تشكيل‭ ‬المشهد‭ ‬بطريقة‭ ‬غير‭ ‬متوقعة‭.‬

الخلاصة‭ ‬باختصار،‭ ‬يقول‭ ‬وولف‭: ‬‮«‬أعتقد‭ ‬أننا‭ ‬دخلنا‭ ‬بالفعل‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬الانحدار‭ ‬منذ‭ 󉄺‭ ‬أو‭ 󉄼‭ ‬عامًا‭. ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬تجاهل‭ ‬ذلك‭. ‬إليك‭ ‬الإحصائية‭ ‬الأوضح‭ ‬والأكثر‭ ‬دلالة‭: ‬إذا‭ ‬جمعت‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬الإجمالي‭ - ‬أي‭ ‬إجمالي‭ ‬السلع‭ ‬والخدمات‭ ‬المنتجة‭ ‬سنويًا‭ - ‬للولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وحلفائها‭ ‬الكبار‭ ‬في‭ ‬مجموعة‭ ‬السبع‭ (‬G7‭)‬،‭ ‬فستحصل‭ ‬على‭ ‬نحو‭ 󉅌‭% ‬من‭ ‬الناتج‭ ‬العالمي‭. ‬أما‭ ‬إذا‭ ‬قمت‭ ‬بالحساب‭ ‬نفسه‭ ‬للصين‭ ‬ودول‭ (‬البريكس‭)‬،‭ ‬فالناتج‭ ‬يبلغ‭ ‬حوالي‭ 󉅓‭%. ‬هم‭ ‬باتوا‭ ‬يشكّلون‭ ‬كتلة‭ ‬اقتصادية‭ ‬أقوى‭ ‬منّا‭ ‬بالفعل‮»‬‭. ‬ويضيف‭: ‬‮«‬كل‭ ‬دولة‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬تفكر‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬سككك‭ ‬حديدية‭ ‬أو‭ ‬توسيع‭ ‬برامجها‭ ‬الصحية‭ ‬كانت‭ ‬ترسل‭ ‬في‭ ‬الماضي‭ ‬وقودها‭ ‬إلى‭ ‬واشنطن‭ ‬أو‭ ‬لندن‭ ‬طلبًا‭ ‬للدعم،‭ ‬وهي‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تفعل‭ ‬ذلك،‭ ‬لكنها‭ ‬ترسل‭ ‬نفس‭ ‬الوقود‭ ‬بعدها‭ ‬إلى‭ ‬بكين،‭ ‬نيودلهي،‭ ‬ساوباولو،‭ ‬وغالبًا‭ ‬ما‭ ‬تحصل‭ ‬هناك‭ ‬على‭ ‬صفقة‭ ‬أفضل‭. ‬العالم‭ ‬يتغير،‭ ‬وكان‭ ‬بإمكان‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬التكيّف‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬الواقع‭. ‬لكن،‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬حال‭ ‬الإدمان،‭ ‬عليك‭ ‬أولاً‭ ‬أن‭ ‬تعترف‭ ‬بوجود‭ ‬مشكلة‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تتمكن‭ ‬من‭ ‬حلها‭. ‬ونحن‭ - ‬كدولة‭ - ‬لا‭ ‬نزال‭ ‬نرفض‭ ‬مواجهة‭ ‬حقيقة‭ ‬ما‭ ‬تعنيه‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬المؤشرات‮»‬‭.‬