الْحَرَارَةُ قاتِلٌ خَفِيّ: تَقْرِيرٌ أُمَمِيّ يَكْشِفُ تَصَاعُدَ مَخَاطِرِ الْإِجْهَادِ الْحَرَارِيِّ عَلَى الْعُمَّالِ
جهاد عقل
2025 / 8 / 30 - 18:19
مقدمة
لم تعد الحرارة مجرد حالة مناخية طارئة أو موسمية، بل تحولت إلى أحد أسرع التهديدات الصحية المهنية نموًا على مستوى العالم. تقرير مشترك صادر عن منظمة الصحة العالمية والمنظمة العالمية للأرصاد الجوية دق ناقوس الخطر، معلنًا أن أكثر من 2.4 مليار عامل يواجهون اليوم مخاطر متزايدة نتيجة الإجهاد الحراري في أماكن العمل.
هذه المخاطر لا تقتصر على الإرهاق أو انخفاض الإنتاجية، بل تمتد إلى الجفاف، الإصابات، والأمراض الخطيرة، وصولًا إلى الوفاة.
تقارير نقابية مقلقة حول حوادث العمل عامة والإصابة بسبب الإجهاد الحراري خاصة
تابعنا العديد ن التقارير الصادرة عن النقابات العمالية محلياً وعالمياً ،والتي تُثير القلق بالنسبة لإصابات العمل والوفيات في العمل ومنها الوفيات جراء الإجهاد الحراري ، مثل دول الخليج العربي وفرنسا ، ومثال على ذلك فيما يلي ملخص معطيات آخر تقرير صادر عن اتحاد النقابات في الولايات المتحدة الأمريكية:” ارتفاع حصيلة الإصابات والأمراض والوفيات في العمل في عام 2023:
385 عاملاً يموتون يومياً بسبب ظروف العمل الخطرة.
5283 عاملاً قُتلوا أثناء عملهم في الولايات المتحدة.
وتشير التقديرات إلى أن 135,304 عمال ماتوا بسبب الأمراض المهنية.
وانخفض معدل الوفيات في العمل بشكل عام إلى 3.5 لكل 100 ألف عامل.
يموت العمال الملونون في العمل بمعدل أعلى: معدلات الوفيات في العمل بين العمال السود واللاتينيين غير متناسبة مقارنة بجميع العمال الآخرين وتظل مرتفعة.
أبلغ أصحاب العمل عن حوالي 3.2 مليون إصابة ومرض مرتبط بالعمل، وهو انخفاض عن العام السابق.
توفي ما لا يقل عن 55 عاملاً بسبب الحرارة أثناء العمل، وهو ما يمثل زيادة بنسبة 28% عن عام 2022؛ وتعتبر البيانات المتعلقة بالوفيات والوفيات غير المميتة أقل من الحقيقة في مواجهة المشكلة"
هذه المعطيات تتعلق في العام 2023 ، وبالنسبة للوفيات جراء الحرارة للعام 2022 ، والتي يشير فيها التقرير الى ارتفاع بنسبة 28% ويبدو ان هذا الإرتفاع يتواصل خلال لبسنوات الثلاث الأخيرة.
أمثلة اخرى
- في الهند وبنغلاديش، اضطر ملايين المزارعين إلى تقليص ساعات عملهم خلال النهار بسبب موجات حر تخطت 45°C.
- في الولايات المتحدة، تم تسجيل وفاة عمال في مزارع ومشاريع بناء نتيجة الإجهاد الحراري خلال صيف 2023.
- في دول الخليج، فرضت بعض الحكومات حظراً على العمل في الهواء الطلق خلال ساعات الظهيرة في الصيف، لكن التنفيذ ما يزال متفاوتاً.
- في أوروبا، أُبلغ عن ارتفاع إصابات الإجهاد الحراري بين عمال التوصيل وسائقي الشاحنات خلال موجات الحر القياسية في 2022 و2023.
المعطيات الأساسية في التقرير
يقع التقرير في 50 صفحة ويتطرق الى مختلف القضايا المتعلقة بالأخطار التي يتعرض لها العمال في ظل تفاقم ارتفاع درجات الحرارة في العالم ،وفي الملخص التنفيذي للتقرير يتضح لنا أن ما بين 22،8 الى 22،9 مليون عامل يتعرضون للإصابة المهنية جراء ذلك وفيما يلي ملخص المعطيات الواردة في التقرير:
- يتعرض أكثر من 2.4 مليار عامل حول العالم – أي ما يعادل نحو 71٪ من القوة العاملة – لمخاطر متزايدة مرتبطة بالإجهاد الحراري في أماكن عملهم.
يُعرَّف الإجهاد الحراري بأنه حالة فسيولوجية ناتجة عن التعرض المفرط للحرارة، وقد يؤدي إلى:
الجفاف الحاد،
ضربة الشمس،
ضعف في وظائف الكلى،
اضطرابات عصبية،
وفي حالات قصوى: الوفاة.
وتُظهر البيانات أن الإجهاد الحراري مسؤول سنويًا عن:
22.8 إلى 22.9 مليون إصابة مهنية،
وحوالي 19,000 حالة وفاة مرتبطة مباشرة بالعمل في بيئات حارة.
كما يُسجل انخفاض كبير في إنتاجية العمال، إذ تقل القدرة البدنية والذهنية بنسبة 2–3٪ لكل درجة حرارة إضافية تتجاوز 20°C، وهو ما يشكل عبئًا اقتصاديًا واجتماعيًا متناميًا.
مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة العالمية نتيجة تغير المناخ – حيث شهد العالم عام 2024 أشد الأعوام حرارة على الإطلاق – يتوقع أن تتفاقم هذه المخاطر بشكل غير مسبوق، خصوصًا في القطاعات التي تعتمد على العمل البدني المباشر مثل: الزراعة، البناء، التعدين، والصناعات الثقيلة.
أزمة عالمية تتفاقم مع تغير المناخ
مع تسارع وتيرة تغير المناخ وارتفاع درجات الحرارة القياسية في مناطق عدة من العالم، بات العمال في القطاعات المكشوفة – مثل الزراعة، البناء، النقل والخدمات – في الصفوف الأمامية لمواجهة آثار هذا التحول المناخي.
العمل في درجات حرارة مرتفعة يؤدي إلى:
تراجع القدرة الجسدية والإنتاجية.
زيادة احتمالات التعرض للحوادث بسبب فقدان التركيز.
ارتفاع معدلات الإصابة بأمراض مرتبطة بالجفاف والإجهاد.
في أسوأ الحالات، وفاة العامل نتيجة ضربة شمس أو انهيار حراري.
هذه المعطيات تجعل من الإجهاد الحراري قضية عدالة اجتماعية وصحية، وليست مجرد تحدٍ بيئي أو اقتصادي.
موقف الاتحاد الدولي للنقابات العمالية
في مواجهة هذه الأزمة، أصدر الاتحاد الدولي للنقابات العمالية دعوة عاجلة لاتخاذ إجراءات فورية، مؤكّدًا أن العمال لا يستطيعون الانتظار بينما يحترق العالم.
المطالب الأساسية التي طرحها الاتحاد تشمل:
- وضع حدود قصوى ملزمة لدرجات الحرارة في أماكن العمل عبر تشريعات وطنية ودولية.
- تعزيز المفاوضة الجماعية بين النقابات وأصحاب العمل لضمان تدابير وقائية مثل أوقات راحة إضافية، - مياه باردة متوفرة، وتعديل ساعات العمل في فترات الذروة الحرارية.
- إلزام أصحاب العمل بإجراء تقييمات دورية لمخاطر الحرارة وتكييف بيئات العمل وفقًا لذلك.
- تطبيق نظام للمتابعة الطبية والرعاية الصحية الوقائية للعمال المعرضين للحرارة، باعتبارها حقًا أساسيًا من حقوق الصحة والسلامة المهنية.
وقال لوك تراينجل، الأمين العام للاتحاد:
“لا يمكن للعمال الانتظار بينما يحترق العالم. إن العمل اللائق والعمل المناخي يجب أن يسيرا جنبًا إلى جنب.”
العمل المناخي والعدالة الاجتماعية: مساران متوازيان
يشير التقرير بوضوح إلى أن الانتقال العادل نحو اقتصاد أخضر لا يمكن أن يتحقق من دون حماية العمال. فالمسألة ليست بيئية فقط، بل تتعلق بالكرامة الإنسانية والحق في بيئة عمل آمنة.
إجراءات التكيف مع تغير المناخ يجب أن تتضمن:
حماية اجتماعية تضمن تعويض العمال في حالات فقدان الدخل بسبب توقف العمل أثناء موجات الحر.
بنية تحتية ملائمة لتقليل التعرض المباشر للحرارة.
إدماج سياسات الصحة والسلامة المهنية ضمن خطط المناخ الوطنية.
فالعدالة المناخية لا تكتمل من دون العدالة الاجتماعية، وحقوق العمال يجب أن تكون محور أي سياسات مناخية مستدامة.
نحو رؤية مستقبلية عادلة
إن التقرير الأممي والنداء العاجل من الاتحاد الدولي للنقابات العمالية يضعان الحكومات وأصحاب القرار أمام مسؤولية تاريخية. فالتقاعس عن وضع سياسات صارمة للحماية من الحرارة يعني ترك ملايين العمال في مواجهة خطر متصاعد يهدد حياتهم يوميًا.
إن الحرارة القاتلة في أماكن العمل ليست مشكلة مستقبلية تنتظر حلولًا مؤجلة، بل أزمة حالية تتطلب تدخلًا عاجلًا يربط بين العمل المناخي، الحقوق النقابية، والحماية الاجتماعية.
في النهاية، نؤكد ان الرسالة واضحة:
“موجات الحر لم تعد مجرد تحدٍّ بيئي، بل قضية حياة أو موت للعمال.
إن تبني سياسات حماية فعّالة، وتشريعات ملزمة، ومفاوضات جماعية عادلة هو السبيل الوحيد لضمان أن يكون الانتقال المناخي انتقالًا عادلاً، إنسانيًا، ومستدامًا.